على أن"رأى"إذا عديت بإلى في القرآن الكريم، أفادت"الاتعاظ"و"الاعتبار"غير أن"الاتعاظ"لا يتأتى دون سبق إدراك عميق لحقائق الشيء الذي يراد الاعتبار به، ومجاوزته إلى غيره مما يناظره، إذ لا اعتبار ولا اتعاظ دون سبق تفكر عميق، وروية متئدة ضرورة.
أما استعمال القرآن الكريم لكلمة"رأى"في التخيل، بما نصب من قرينة تعيِّن هذا المعنى (59) ، فذلك كما في قوله تعالى: (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة (( 60) فهذا ليس سبيله الحس، ولا العلم بالعقل، والتفكير، وإنما هو التخيل المحض (61) .
وأما"رأى"المنامية، فمصدرها"الرؤيا"تمييزًا لها عن"الرؤية"و"الرأي"لما قدمنا، أن صيغة مصدر رأى، تختلف باختلاف مواقع معناها (62) ، كما أشرنا، وذلك في مثل قوله تعالى: (يا أبت هذا تأويل رُؤياي من قبل (( 63) بيد أن هذا -فيما يبدو- غير مطرد أيضًا، كما في قوله تعالى: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس (( 64) لأن"الرؤيا المنامية"هنا لا تتجه، إذ لو كانت هذه"الرؤيا"حلمًا لما كانت فتنة للناس، فاكسير معناها هنا، منوط بكونها"فتنة"، وبديهي أن"الرؤى"المنامية، لا تبعث على الفتنة مخالفة وقوع أحداثها وشخوصها التي تترأى للنائم، للمعهود المطِّرد من السنن الكونية، فتعين أن تكون واقعية ومشهودة في اليقظة.
على أن اللسان العربي يستعمل"الرؤيا"أحيانًا في هذا المعنى، واستشهد صاحب لسان العرب على ذلك، يقول الراعي:
فكبَّر للرؤيا وهش فؤاده
-وبشَّر نفسًا كانَ قبلُ يلومها (65)
وهو يقصد رؤية اليقظة.
ويعقب صاحب اللسان على هذا بقوله:
"وعليه فسر قوله تعالى: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك، إلا فتنة للناس (( 66) ."