نخلص مما قدمنا، أن كلمة"رأى"في استعمال القرآن الكريم -فيما عدا الحسية والمنامية، وما قام الدليل على أنها للتفكير أو لغلبة الظن أو للتخيل بقرينة مصاحبة-الأصل فيها"العلم"القائم على دقة نفاذ البصيرة، وعمق الإدراك، وأمانة التحري لما هو حق وهذا المعنى للرأي -كالفقه-أخص من الفهم العام، أو الرأي البادي.
هذا، وإذا لاحظنا أن"الفؤاد"قد غدا-في الاستعمال القرآني-أداة التعقل، وموطن الإدراك، بدليل إضافة"رأى العلمية"إليه، في مثل قوله تعالى: (ما كذب الفؤاد ما رأى، أفتمارونه على ما يرى (( 67) ولأن نفي الكذب يستلزم ثبوت الحق، وإدراك العلم الذي لا يحتمل المراء، أقول إذا لاحظنا ذلك، فإن"الفؤاد""أو القلب"-إلى ذلك- هو مناط المشاعر والوجدانيات، فناسب أن يضاف إليه الرأي بالمعنى الاعتقادي الجازم الذي هو"الإيمان"الثابت بالأدلة العقلية، والبراهين المنطقية، بما هو مزيج من العلم القاطع، والشعور المتقد، والإحساس الرهيف، فكان الفقه والرأي من هذا المعنى بسبب وثيق، يرشدك إلى هذا، أن الفقه -في القرآن الكريم-يضاف إلى القلب أيضًا في مثل قوله تعالى: (أمْ لهم قلوبٌ لا يفقهون بها (( 68) وكذلك"التدبر"في مثل قوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (( 69) .
هذا، وإنما قلنا، إن"الرأي"وكذلك"الفقه"أخص من مجرد الفهم العام لمعاني الألفاظ والتراكيب وضعًا ولغة، لأن هذا المعنى اللغوي المتبادر من النص القرآني، قدر مشترك بين معظم الناس، من ذوي الإلمام بالعربية، ومعلوم، أن فهم معاني الألفاظ والعبارات لغة، ليس طريقُه"الاستنباط"وإنما هو منطلقه، أو هو أرضية الاجتهاد بالرأي.
وفي هذا يقول الإمام الغزالي ما نصه:"ولا مطمع في الوصول إلى الباطن-دقائق معنى النص-قبل أحكام الظاهر" (70) ، كما أسلفنا.