على أنك ترى من آئمة الأصول من أدرك هذه"الحقيقة"حين فسر أساس تسمية المجتهدين بأصحاب الرأي، بقوله:"وإنما سموهم بذلك، لإتقان معرفتهم بالحلال والحرام، واستخراجهم المعاني من النصوص، لبناء الأحكام، ودقة نظرهم، وكثرة تفريعهم عليها (75) ، ولا نعني بالعلم إلا هذا."
ولا مرية أن هذه هي"الروح العلمية"التي تنعكس على المجتهدات في علوم الدين بعامة، صافية نقية، بما يملك أربابها من المقدرة أو الموهبة-الفطرية أو المكتسبة بطول البحث والمران-فتمكنهم من تركيز ما يفقهون، كما تمكِّن للخالفين من بعدهم، تبين وجوه الرأي و"مسالك الاجتهاد"فيه، مما يعتبر ثروة غالية يستمد منها أولو العلم مادتهم، عبر العصور والأجيال المتعاقبة.
وإذا كان للاجتهاد بالرأي وجوه، منها ما يتخذ مجاله فيما لا نص فيه، ومنها ما يكون في حدود النص، فإن ما يتصل بموضوعنا هو هذا الأخير من النص القرآني، ولكن بالوجه المحمود من الرأي -على حد تعبير ابن القيم، إذ يقول:"النوع الثاني من الرأي المحمود"الذي يفسر النصوص، ويبين وجه الدلالة منها، ويقررها، ويوضح محاسنها، ويسهل طريق الاستنباط منها" (76) ."
هذا، وترى الإمام الغزالي-حجة الإسلام-يجعل الاجتهاد بالرأي ركنًا عظيمًا (77) في شرع الله تعالى، مما لا ينبغي لأحد أن ينكره، حيث يقول ما نصه"الاجتهاد ركن عظيم في الشريعة، وعليه عول الصحابة-رضوان الله عليهم-بعد أن استأثر الله برسوله ( وتابعه عليه التابعون في زماننا هذا"(78) .
ولا ريب، أن الإمام الغزالي، إذ يجعل"الرأي"ركنًا عظيمًا في شرع الله بعامة فإنما يعتمد -فيما نرى-على أمرين:
أولهما: استقاؤه هذا التكييف للاجتهاد مما استقرّ من مفهوم خاص"للرأي"في القرآن الكريم، وهو الرأي العلمي الموضوعي، المبرَّأ من البدوِّ، والهوى، أو الضحالة، لأنه مما يراه أولو العلم.