وفضلًا عن ذلك، فإن الإمام الغزالي يؤمن -كغيره من المحققين-بمعقولية هذا التشريع العظيم، أو بعبارة أخرى، يوقف، بأن ما شرع فيه من أحكام عملية، إنما جاءت مبنية على"مصالح معقولة في ذاتها"وراجعة إلى العباد، بحيث يمكن إدراكها، بتعقل تلك الأحكام التي بنيت عليها، والاجتهاد في استبطان موجباتها، وأهدافها، ليتسنى الابتناء عليها اجتهادًا، توسعًا في مفادها، ثم استخلاص"الروح العامة التي تنتظمها".
على أن إدراك هذه الروح العامة، وتمثُّلها، هو الذي يبني"الشخصية العلمية"للمجتهد، إذ هي"الملكة"أو الموهبة"التي تقدر المجتهد على النفاذ برأيه إلى حقائق الأشياء، والتمييز الدقيق بين الحق والباطل، والعدل والظلم، في كل واقعة تطرأ، حتى ولو لم يرد فيها نص خاص، ولا قياس ولا إجماع، كما أشرنا، ومن هنا، كان"الرأي الجماعي"الموحد من المجتهدين حجة، ولو لم يعبَّر عن مستنده، أو دليله، فكان في ذاته حجة، إذ اعتبره الشارع أمارة على الحق والعدل واليقين، مما لا يجوز المخالفة عن مقتضاه، وبذلك يتم للشريعة خلودها عملًا وواقعًا، ومن هنا كان الاجتهاد بالرأي في الشريعة بعامة، والتفسير بخاصة - في نظر الإمام الغزالي - ركنًا عظيمًا في دين الله، فيما للرأي فيه مجال، لارتباطه - فيما ترى - بتلك القضية الكبرى، المشار إليها بقوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا (( 80) ."
هذا، وقد أدرك الصحابة - رضي الله عنهم - هذا الأصل العتيد في دين الله، فسلكوا سبيل الاجتهاد بالرأي فيما فيه نص، وفيما لا نص فيه، على سواء، فكان هذا أبين دليل واقعي على وجوب الاجتهاد بالرأي من أهله، بدليل وقوع اختلافهم فيه، وشهرته منهم، ولا أدل على الجواز من الوقوع، ولم يكن هذا الاختلاف في الآراء، وفي الاجتهادات - كما يقول الإمام الغزالي - عن سماع من الرسول - (- بل عن اجتهاد بالرأي منهم بالضرورة(81) .