فهرس الكتاب

الصفحة 3906 من 23694

على أن الاجتهاد بالرأي في الأحكام العملية، تكفي في قيام حجيته غلبة الظن، إذ"اليقين"في كل منها، متعذر، لمكان احتمال الخطأ فيه، من المجتهدين العلماء، غير أنهم معذورون بل ومأجورون أيضًا، بخلاف غير المجتهدين، فإن خطأهم إثم محض، لأنهم يقولون في دين الله بما لا يستند إلى علم، وهو آمر منهى عنه، ومتوعد عليه، وفي هذا المعنى يقول ابن رشد:"وإذا كان من شرط التكليف الاختيار، فالمصدق بالخطأ من قبل شبهة عرضت له، إذا كان من أهل العلم، معذور، ولذلك قال عليه السلام:"إذا اجتهد الحاكم، فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ، فله أجر" (82) والحاكم هو العالم المجتهد، وهو ما أشار إليه الإمام ابن رشد بقوله:"وهؤلاء الحكام هم العلماء" (83) ولا يقين مع احتمال الخطأ، لذا، كانت غلبة الظن كافية في الحجية، للحديث الذي روينا، ولاستحالة العلم في كل حكم مجتهد فيه، إلا أن يكون النص قطعيًا، لا يفتقر إلى الاجتهاد."

وعلى هذا، فالخطأ من قبل العالم المجتهد، لعروض شبهة، أو لعواصة المشكلة محل البحث، عذر، ولا إثم فيه، وإنما إثم الخطأ لا حق بغير العالم إذا تناول بالبحث مالا تخصص له فيه، بل الأصل فيه الخطأ، بعدم استناده إلى علم أصلًا، وهو على النقيض من معنى"الرأي"وحقيقته في الاستعمال القرآني، على ما رأيت، وفي هذا المعنى، يقول الإمام ابن رشد:"وهذا الخطأ المصفوح عنه في الشرع، إنما هو الخطأ الذي يقع من العلماء إذا نظروا في الأشياء العويصة التي كلفهم الشرع النظر فيها، وأما الخطأ الذي يقع من غير هذا الصنف من الناس - أي من غير العلماء - فهو إثم محض، وسواء أكان الخطأ في الأمور النظرية أو العملية" (84) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت