وعلى هذا، فالإسلام أول من وضع قاعدة التخصص العلمي الدقيق. هذا، والمجتهد كالطبيب، من قبل أن الطبيب إذا أخطأ دون تقصير أو إهمال، فهو معذور، بعد أن يكون قد بذل أقصى ما في وسعه في المعالجة، لأن هذا خطأ قصوري لا تقصيري، كما أشرنا، إذ قصُرت طاقته العلمية عن بلوغ ما هو أكثر من ذلك، بخلاف الجاهل الذي لم يُعرف منه طب، ولا تخصص له فيه، إذا اقتحم ميدانه، فخطؤه جريمة، لأنه تهجم على ما ليس له به علم، فكيف إذا تهجم على كتاب الله، وتقوَّل عليه سبحانه، فذلك أمر منهي عنه شرعًا، بل هو من الكبائر، إذ سلكه تعالى في عِقدها، لقوله تعالى: (قل إنما حَرَّم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن(، والإثم، والبغي بغير الحق، وأن تُشرِكوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (( 85) .
بعد هذا الذي قدمنا، نبحث في"موقف الإمام الطبري من مبدأ الاجتهاد بالرأي في التفسير، مع الاستشهاد بمواقف الأئمة من الأصوليين والفقهاء، من واقع نصوصهم في مصنفاتهم المعتبرة."
موقف الإمام الطبري في رفضه إعمال الرأي في مقابل السنن الثابتة الصحيحة، مما اختصَّ الله به نبيه ببيانه، يدل دلالة بينة على اعتماده الرأي القائم على العلم، أصلًا جوهريًا في منهج تفسيره، فيما لم يرد فيه مأثور من السنة أو أقوال السلف - فضلًا عما يؤيد هذا الأصل، من واقع تصرفه في تفسيره.
يرشدك إلى هذا، أن الإمام الطبري قد حمل أو أوَّل كافة الأخبار والأحاديث الواردة بالنهي عن إعمال الرأي في القرآن، على معنى تقديمه على ما اختص الله به نبيه ببيانه، وقد وضع لهذه المسألة عنوانًا في مقدمة تفسيره (85) على ما أشرنا في المقال السابق.
هذا شيء، وشيء آخر، هو أن الإمام قد نعى على المتحرجين والمتأثمين (86) من تفسير القرآن، بإطلاق، ممن كانوا أهلًا لذلك، وأوتوا ملكة البيان، والقدرة الموهوبة على ذلك، على ما نفصله في هذا المقال.