فهرس الكتاب

الصفحة 3908 من 23694

وأيضًا"مواقفه"تجاه آراء المفسرين، وتناوله إياها بالنقد، والتمحيص، والترجيح أو الرفض أحيانًا، بالشواهد والأدلة، ودون تردد (87) ، مما يدل على استقلاله بالرأي.

وهذا ما قرره الإمام السيوطي - حافظ علوم القرآن - في منهج الإمام الطبري بقوله:"إن تفسير الإمام الطبري قد جمع بين الرواية والدراية، ولم يشاركه في ذلك أحد لا قبله ولا بعده" (88) .

غير أن الأصوليين - منذ القدم - يفرقون - في صدد الاجتهاد بالرأي بوجه عام، وفي التفسير بوجه خاص - بين الرأي الشخصي الذي لا يستند إلى علم، وبين الرأي الاجتهادي الموضوعي الذي يستند إلى العلم، فنجد الإمام الشاطبي يشير إلى ذلك بقوله:"إعمال الرأي في القرآن جاء ذمُّه، وجاء أيضًا ما يقتضي إعماله" (88) ثم بين أن الرأي الذي يجب إعماله، هو ما كان جاريًا على موافقة كلام العرب، وموافقة الكتاب والسنة، فهذا لا يمكن إهمال مثله لعالم بهما" (89) ."

هذا، وقول الإمام الشاطبي،"ما يقتضي إعماله، وقوله بعد ذلك"لا يمكن إهمال مثله لعالم بهما"دليل بيِّن على أن الاجتهاد بالرأي في القرآن الكريم، اجتهادًا قائمًا على العلم، أمر مفروض شرعًا، لا جائز فحسب، وهذا ما تؤكده قولة الإمام من"استحالة الإهمال"وهو ما انتهى إليه الإمام الماوردي، والإمام ابن القيم، والإمام القرطبي، وغيرهم على ما سيأتي من بيان وجهة نظرهم المستمد من واقع نصوصهم في مصنفاتهم، هذا فضلًا عما استدلوا به من واقعية نهضت بها تصرفات الصحابة أنفسهم - رضوان الله عليهم - ومسلكهم في الاجتهاد بالرأي في تفسير القرآن الكريم، واشتهار اختلافهم فيه اختلافًا واسع المدى، ولو كان هذا ممنوعًا شرعًا، لما أقدموا عليه، لأنهم أولى الناس بالاحتياط (90) والتحرز عن الوقوع في الإثم، وهذا ما انتهى إليه الإمام الطبري في منهج تفسيره، بما صرح هو نفسه بهذا الأصل الجوهري في منهجه (91) على ما سنعرضه في مقامه."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت