الإمام الشاطبي (92) يقرر أن قسمًا كبيرًا من القرآن الكريم، قد تركه المشرع نفسه قصدًا، ليدركه المجتهدون باجتهادهم، فكأن إعمال الرأي أمرًا متعبَّدًا به شرعًا (93) وليس جائزًا فحسب، بحيث يستوي فيه الفعل والترك، بل هو أمر مفروض على أولي العلم فرضًا كفائيًا، لأن ما يتوقف عليه الواجب تفهمًا، وتحقيقًا، وأداء، فهو واجب بداهة وهذا من مقررات العقل والدين، ولا نزاع فيه.
وقد قدمنا، نص الإمام الشاطبي المتعلق بوجوب إعمال الرأي في القرآن الكريم.
هذا، ومن الأدلة التي أتى بها على وجوب إعمال هذا الضرب من الرأي، وأنه متعبد به شرعًا (94) أن من الثابت أن الرسول ( لم يبين ويفسر القرآن الكريم كله بالسنة، وحيًا وتوقيفًا، بل بين منه - كما يقول الإمام - ما لا يوصل إلى علمه إلا به، وهو آيات الأحكام غالبًا، مما يتعلق بالحلال والحرام، وترك كثيرًا مما يدركه أرباب الاجتهاد باجتهادهم، فلم يلزم في جميع تفسير القرآن"التوقيف". وأيضًا الصحابة كانوا يفسرون القرآن على ما فهموا، ومن جهتهم بلغنا تفسير معناه، والتوقيف ينافي هذا، فإطلاق القول بالتوقيف، والمنع من الرأي، لا يصح"(95) ."
ومن هنا، رأينا الإمام الطبري يحمل الأخبار الواردة في النهي عن تفسير القرآن بالرأي، على المفهوم منه خاصة (96) ، لا الرأي بإطلاق، كما قدمنا، توفيقًا بين الأمرين.
وعلى هذا، فلا يعفي المجتهد ما بينه الرسول ( مما اختصه الله تعالى به من البيان، أقول لا يعفي المجتهد من إعمال الرأي تعقلًا، فيما تركه الشارع للمجتهدين قصدًا دون بيان، ولعل هذا هو المعني به، في قوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر، لتبين للناس ما نزل إليهم، ولعلهم يتفكرون (( 97) بإطلاق، أي فيما بيَّن، وفيما لم يبين، ولكن في ضوء المبيَّن.
أما فيما بيَّن، فينبغي أن ينصبَّ النظر الاجتهادي تفسيرًا، واستثمارًا لطاقات النص كافة على النواحي التالية: