أولًا-تعليل النص: لأن المفروض أن النص يتعلق بالمعاملات، وآيات الأحكام، والأحاديث الصحيحة الثابتة التي جاءت تبيينًا لها، وتفصيلًا لمجملها، وبسطًا لمختصرها، دون"التعبديات"التي لا تدرك فيها العلل الموجبة تفصيلًا، وإن كان يمكن تعليلها بوجه عام، ونصوص المعاملات كلها، أساسها"المصالح"اتفاقًا، وهي حاجات ومطالب للمجتمع والدولة والأفراد. هذا، ومعلوم أن"التعليل"منهج عقلي غائي، لكونه قائمًا على تصرف عقلي في النص، يجاوز إدراك مدلوله اللغوي الأول، ولذا يتناول كُلاًّ من النص القطعي والظني على سواء، لأنه يتجرد لتبيين"المصالح"التي يستهدفها مضمون النص، غاية لحكمه، سواء أكانت اجتماعية، أم اقتصادية، أم سياسية، أم عسكرية، أم خلقية، وهذه"المصالح"هي ما يطلق عليها"الحكم التشريعية"الباعثة التي ينطوي عليها النص، أو يستهدفها بحكمه، فكانت روح النص ومعقوله، أو الغاية التي من أجلها شرع حكمه، وسيلة لتحقيقها بالتنفيذ والامتثال عملًا، ومعلوم أن"حكمة التشريع"أو"المصلحة"المتوخاة منه، عنصر عقلي خالص خارج عن منطوق النص، وإن كان عنصرًا جوهريًا في منطقه ومعقوليته، مما يتفاوت المجتهدون في تبينه وتحديده، ولا سبيل إلى استنباطه إلا بالرأي اجتهادًا، فكان"الرأي"ملازمًا لتفسير النص التشريعي، لا يتصور انفكاكه عنه، -قطعيًا كان أم ظنيًا- كما ترى، بل لا يمكن أن يؤدي تفسير القرآن وظيفته كاملة إلا به.
هذا، وإذا كان"التعليل"منهجًا عقليًا قويمًا لتبيين ما ينطوي عليه النص القرآني -وكذلك نصوص السنة- من"حكمة"أو "مصلحة حقيقية معتبرة قد تغياها الشارع من وراء تشريع النص وحكمه، واتجه قصده إلى تحقيقها، فكانت هي الثمرة المرجو تحقيقها في المجتمع وقوعًا، وعملًا، من خلال تنفيذ الحكم وامتثاله، أقول إذا كان الأمر كذلك، ترتب على هذا"التعليل"أمور على غاية من الأهمية:"