ولعل هذا الأصل الذي قرره الإمام الشاطبي في التفسير الاجتهادي - تفهُّمًا وتطبيقًا- يجد مصداقه فيما أثر عن الرسول( من قوله:"لا تقطع الأيدي في الغزو"جزاء على اقتراف جريمة السرقة في ظروف الحرب، ذلك لأن إقامة الحد -العقوبة- في مثل هذا الظرف الاستثنائي قد يغري مقترفها بالفرار واللحاق بالعدو، تخلصًا من تنفيذ العقوبة عليه، ومعلوم أن مفسدة اللحاق هذه، وما يترتب عليها من أضرار قد تمس أسرار الجيش المقاتل، أو أمن الدولة - هي أشد من مفسدة عدم إقامة الحد عليه، فاقتضى هذا- نتيجة للموازنة بين المفسدتين- أن يُرجأ تنفيذ العقوبة إلى وقت السلم، دفعًا للضرر الأشد في ظل ذلك الظرف الموقوت العارض، وهو ما يعتبره الفقهاء والأصوليون أصلًا من أصول سياسة التشريع في الإسلام، قد استند إلى توجيه النبوة، كما رأيت.
هذا المنهج الذي رسم معالمه الإمام الشاطبي على النحو التفصيلي الذي رأيت، أن في التفسير أو التطبيق، إن دل على شيء، فإنما يدل على قابلية هذا التشريع للاستجابة لكل ما يستجد ويطرأ من الوقائع والعوارض، بظروفها وحالاتها المتغايرة عبر العصور، وأساس ذلك هو"التعليل"وهو ضرب من التصرف العقلي في نطاق النصوص، مستشرفًا غاياتها، تفهمًا وتحديدًا وتطبيقًا، وتحريًا دقيقًا لمقصد الشارع، ومن هنا أمكنك أن تتصور استحالة انفكاك الاجتهاد بالرأي - والتعليل صورة منه - عن التفسير القرآني، بل عن تفسير التشريع جملة، لما يتوقف عليه استبطان معنى النص، واستنباط عنصر معقوليته، ليتأتى تفهمه كاملًا، مضمونًا وغاية، وتطبيقه على سمت هذا السنن، بحيث يحقق ويصون مضمونه، ومقصد الشارع منه، وإلا كان التفسير حرفيًا سطحيًا ضحلًا، وكان التطبيق آليًا عشوائيًا غير مستبصر، وفيه من إهدار حقائق التشريع، وهدم مقاصده، ما لا يخفى..! بل يغدو ضربًا من تحريف الكَلِمِ عن مواضعه.