أما أنه قانون عقلي صرف، فذلك لمكان"العلة"أو"المصلحة"التي تشكل السبب الباعث على تشريع الحكم ابتداء، وهي مستنبطة من النص اجتهادًا بالرأي - كما قدمنا - تفهمًا وتعقلًا، وعلى أساسها بنى الحكم، فأضحى من غير المعقول، ولا المقبول، أن ينصبَّ الاجتهاد - إن كان ثمة اجتهاد - على تبين الحكم وحده من المنطوق اللغوي للنص، ثم يطرح أساسه أو يبتر عن معقوله، والغاية من أصل تشريعه، فكان هذا القانون المنطقي، مستوجبًا سحب حكم النص، وتعميمه عقليًا، على كافة مظانِّ علته، من الوقائع المتجددة في كل عصر وبيئة، ولو لم يرد نص بخصوص كلِّ منها بعينها، ولا يسع أحدًا إنكار قانون التلازم المنطقي هذا، لأن نقضه أو إنكاره (107) مخالفة عن أمر الشرع نفسه، لقوله تعالى: (فاعتبروا يا أولي الأبصار(، بما يوجب اطِّراحه من التناقض البين في التشريع، فضلًا عن إيقاعه في مآزق يصعب التخلص منها، والتناقض منفي في الشرع بالنص صراحة، لقوله تعالى: (ولو كان من عند غير الله، لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا (( 108) أي تناقضًا أو تضادًا، لمنافاة ذلك للحكمة الإلهية بداهة، فثبت ما أصَّلنا من حجية هذا التلازم المنطقي بين"السبب"الذي هو العلة، و"المسبب"الذي هو"الحكم"إذ الحكم مآل السبب (107) ، وهو ما ينهض به"التعليل"أساسًا لهذا القانون، وهو ما أشار إليه الإمام الشاطبي في صدد التدليل على حجية هذا الأصل، حيث يقول:"فإن الأعمال -إذا تأملتها - مقدمات لنتائج المصالح، فإنها - أي المصالح والعلل - أسباب لمسببات هي مقصودة للشارع، والمسببات هي مآلات الأسباب، فاعتبارها في جريان الأسباب مطلوب" (109) بمعنى أنه مطلوب من المجتهد أن يعتبرها، لكون الشارع الحكيم قد قصدها واعتبرها، إذ جرى تصرفه في التشريع على هذا السَّنن، من تعليل نصوص القرآن الكريم في كثير من أحكامها، استخلاصًا للأسباب الموجبة لتلك الأحكام، وقصد المجتهد في الاعتبار، ينبغي أن يكون متفقًا