هذا، وإذا لاحظنا أن"العلة"تنطوي على"حكمة التشريع"وأن هذه"الحكمة"هي من مفهوم"العدل"في القرآن الكريم، إذ العدل لا يجافي الحكمة الإلهية، بل هو من صميمها، تبين لك بجلاء، أنه لولا الاجتهاد بالرأي في التفسير تعليلًا، لفقد"العدل"ما به يعرف نظرًا وما به يتحقق عملًا، والعدل هو الغاية القصوى من التشريع كله، فإذا توقف تبين العدل، وتحقيقه عملًا في مواقع الوجود الحيوي للأمة، على الاجتهاد بالرأي، كان هذا واجبًا ومفروضًا، بل ومتعبدًا به شرعًا، لوجوب ما يتوقف عليه، بلا مراء، عملًا بمقتضى القاعدة المقررة عقلًا وشرعًا، ومفادها، أن"ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب".
هذا ومن أبسط الأمثلة على ما قدمنا، النص القرآني المحرم للخمر، في قوله تعالى: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان، فاجتنبوه، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدَّكم عن ذكر الله، وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون (( 111) فقوله تعالى: (فاجتنبوه( أمر يفيد وجوب الاجتناب وهو التحريم، وقوله تعالى: (فهل أنتم مُنتهَون( الاستفهام ليس على حقيقته، بل هو في معنى الأمر بالانتهاء، وهو يفيد وجوب الكف، وهو التحريم أيضًا، ولذا قال عمر بن الخطاب بعد أن سمع تلاوة الآية الكريمة: (انتهينا وربّ الكعبة( هذا فضلًا عن وصف الخمر بكونها من"عمل الشيطان"للتقبيح، ومثل هذا الأسلوب في عرف القرآن الكريم، يفيد التحريم قطعًا.
يتبع
> الصفحة الرئيسية > > صفحة الدوريات > > صفحة الكتب > > جريدة الاسبوع الادبي > > اصدارات جديدة > > معلومات عن الاتحاد >
سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244