ثالثًا: من أهم ما يتناوله الاجتهاد بالرأي في النص القرآني أيضًا"دلالته العقلية"فضلًا عن"دلالته اللغوية"وهو أمر بالغ الأهمية، من قِبل أنه لا يتعلق بأصل الدلالة، بل بكيفيتها، ولا يتسع المقام لتفصيل القول في هذا الشأن، ومن ذلك"اللوازم العقلية"للمعنى العباري للنص، ومعلوم أن اللازم العقلي للنص، معنى تام يستلزمه المعنى اللغوي الظاهر المتبادر من العبارة، استلزامًا منطقيًا، وهو مقصود للشارع أيضًا، كما أشرنا، لأنه مما تقتضيه دلالات اللغة، وأسلوبها في البيان، بكيفيات وطرق مختلفة، ولذلك، استقر في علم الأصول - اشتقاقًا من خصائص اللغة، وأساليبها في البيان - أن النص الدال على الملزوم - أي المعنى اللغوي الظاهر - دال على لازمه العقلي، وحجة فيه، فلا يسع عالمًا بالعربية تجاهله أو إغفاله، أو اطراحه، فضلًا عن المجتهد المتخصص، لكونه طاقة منطقية من طاقات النص الواجب استثمارها اجتهادًا، وإلا كان الاجتزاء أو الهدر لمعان مقصودة من النص، قامت به حجية دلالاته، إذ لا ينفصل المعنى العقلي عن المعنى اللغوي، للتلازم المنطقي بينهما - كما قدمنا - ولكلِّ طريق دلالته. حسبما تقتضيه طبيعة اللغة، وخصائصها في البيان، والنص القرآني على أساسها أنزل، وتبقى هذه الدلالة العقلية حجة ما لم يقم دليل من المشرع نفسه، وبنص صريح يخالف عن مقتضاها، فيقدم عند التعارض، لأن الصريح أقوى دلالة من المعنى اللزومي، أو الضمني بداهة، لكون إرادة المشرع فيه أوضح، والقصد إليه أقوى، تجد هذا بينًا في مثل قوله تعالى: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، وينصرون الله ورسوله، أولئك هم الصادقون (( 113) .