فالآية الكريمة دالة - ولكن بطريق اللزوم العقلي - على زوال ملكهم عن أموالهم التي تركوها في مكة، لأن وصفهم بكونهم"فقراء" (114) يستلزم عقلًا وبالضرورة، ألا تكون أموالهم باقية على ملكهم بعد اضطهادهم وإخراجهم من ديارهم، لأن"الفقير"حقيقة، من لا يملك شيئًا، بيد أن هذا المعنى العقلي قد قام النص الصريح على بطلانه، من قبل المشرع نفسه، بل وفي الآية الكريمة عينها، ذلك لأنه أضاف الديار والأموال إليهم، والإضافة تقتضي الملك والاختصاص حقيقة، فانعكس هذا المعنى العباري اللغوي الصريح المتبادر على اللزوم العقلي فأبطله، وجعل معنى"الفقراء"على سبيل المجاز، بقرينة هذه الإضافة للديار والأملاك إليهم كما ذكرنا.
ووجه ذلك المعنى المجازي، أنهم لما بعدوا عن أملاكهم وديارهم بالاضطهاد والإخراج عنوة وبقوة السلاح، حتى لم يعهد لهم سلطان فعلي عليها، صاروا كأنهم فقراء، لا فقراء حقيقة، وهم سادات المهاجرين، والقرينة الدالة الصارفة للفظ"الفقراء"عن معناه الحقيقي إلى هذا المعنى المجازي، هي إضافة الأموال والديار التي أخرجوا منها إليهم، في قوله تعالى: (أُخرِجوا من ديارهم وأموالهم( وهو صريح، فيقدم على اللزوم العقلي، لما بيَّنا.