أضف إلى ذلك من الأدلة، أن منطق القوة لم يُعهد في الشرع مزيلًا ليد محقة، ليُقِرَّ يدًا مبطلة، لأنه عين الظلم المنافي للشرع رأسًا، لكونه محض بغي وعدوان، بل ضربًا من"الإجرام الدولي"المحرم في الشريعة تحريمًا قاطعًا، فلا يصلح طريقًا ولا سندًا للملك بالبداهة، ولذا كان إقرار مبدأ العدوان هذا في بعض الفلسفات السياسية الوضعية، من مثل فلسفة ميكيفيلي وغيرها، مما يدور في فلكها، منشأ الحروب المستعرة المدمرة، وسببًا رئيسيًا لاضطراب حبل الأمن في العالم كله، ولهذا، نرى الإسلام ينادي بأن الغاية القصوى من إنزال الشرائع السماوية جميعًا، وإرسال الرسل كافة، هو إقامة"العدل"المطلق، حقًا إنسانيًا مشتركًا بين البشر، على الرغم من اختلاف الدين. اجتثاثًا لأصول العدوان من الأرض، وللإطاحة بمظاهر البغي المسلح، ولا سيما على الصعيد الدولي، ترى هذا المعنى واضحًا في مثل قوله تعالى: (لقد أرسَلنا رُسُلَنا بالبيِّنات، وأنزلنا معهم الكتاب(115) والميزان، ليقوم الناس بالقسط (( 116) إعلاء لشأن القيم الموضوعية الإنسانية الخالدة التي أطلق عليها القرآن الكريم: (كلمة الله( وترسيخها في المجتمع البشري، في مثل قوله: (وكلمة الله هي العليا( وتجنيبًا للتطاحن وتسافك الدماء، من أجل مغانم مادية عاجلة، أو الاستعلاء بالعنصر، وبسط الهيمنة الدولية، في مثل قوله تعالى: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض، ولا فسادًا (( 117) .