هذا، والإمام الطبري يقرر هذا المعنى في صدد تفسيره للآية الكريمة المشار إليها آنفًا. (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم( حيث يشير إلى أن الله تعالى، إنما نسبهم إلى أنهم فقراء، ليجعل لهم سهمًا في الزكاة، علاجًا لما صاروا إليه من تلك الحالة العارضة، وسدًا لحاجتهم، أي مسوغًا لإدخالهم في أحد مصارف الزكاة، بهذا الوصف"فقراء"الذي نُسبوا إليه مجرد نسبة، وتلك المصارف محددة بأوصافها، بقوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين (( 124) .. الآية لا على أنهم فقراء حقيقة، لمنافاة ذلك لعديد من الشواهد والنصوص الصريحة، على النحو الذي فصَّلنا، حيث يقول الإمام الطبري ما نصه:"فنسبهم الله إلى أنهم فقراء، وجعل لهم سهمًا في الزكاة" (125) وهذا المعنى مروي عن أحد الثقات من مفسري التابعين، وهو سعيد بن جبير، فارتضاه الإمام الطبري، تفسيرًا للآية الكريمة، بما يتسق والأدلة الصريحة، بدليل أنه لم يعقب عليه، بالنقد أو الرفض.
وهكذا ترى، أن الاجتهاد بالرأي، حتى في مجال النص، جزء من حقيقة التفسير، لأن طبيعة النص القرآني، وأوضاع البيان فيه، تقتضي ذلك، كما نوهنا، وكل مفسر -فضلًا عن شيخ المفسرين الإمام الطبري- لا يسعه أن يخرج عن هذا السنن الشامل في البيان. وإلا فقد التفسير جزءًا من حقيقته، ليعجز بالتالي عن أداء وظيفته.
ذلكم هو دور الاجتهاد بالرأي فيما بُين، لننتقل إلى بيان دوره فيما لم يُبيَّن من النصوص.
ثالثًا: أما فيما لم يُبيَّن من النصوص المجملة أو كليات التشريع، وقواعده العامة فذلك -كما أشرنا- متروك قصدًا من قبل المشرع إلى المجتهدين، ليتولوه بالبيان باجتهادهم بالرأي -على حد تعبير الإمام الشاطبي (126) ، مما يجعل الاجتهاد في التفسير، بل في الشريعة بعامة، ركنًا عظيمًا من أركان الدين، على ما قرره الإمام الغزالي في كتابه، المنخول" (127) كما أشرنا."