فهرس الكتاب

الصفحة 3933 من 23694

للاجتهاد بالرأي، بكونه ركنًا عظيمًا من أركان الدين، متجهًا، لاتجاه قصد المشرع نفسه إلى ذلك، وهذا ما صار إليه الإمام الطبري، حيث قصر المنع من الاجتهاد بالرأي الوارد في الأخبار والأحاديث، على ما اختص به الرسول ببيانه، دون ما عداه، بل تراه يحضُّ العلماء على التفسير، وينعى على المتحرجين منهم (132) .

الحكمة التشريعية من ترك قسم من آي القرآن الكريم دون بيان قصدًا من المشرع، مما يشتمل على الكليات والقواعد العامة، ليتولاها بالبيان المجتهدون بالرأي.

ذلك، لأنه( لو بين تلك القواعد العامة، والكليات التشريعية، بأن فصَّلها تفصيلًا في نُظُم آمرة، وفروع جزئية، لأفضى هذا التفصيل إلى إيقاع الأمة في الحرج والعنت، في كل عصر، إذ ربما تغدو هذه التفصيلات المحددة الواجب العمل بها - باعتبارها صادرة عن السنة - غير ملائمة لحاجات ومطالب العصور التالية، بما يعتريها من تطور بفعل تغير الظروف، فكان إبقاؤها على عمومها دون بيان أو تفصيل محدد، مما يجعل منها مجالًا واسعًا ورحبًا للاجتهاد بالرأي، وذلك كمبدأ الشورى - كما أشرنا - ليشتق منه فروعًا وتنظيمات جديدة في كل عصر بما يلائمه، ويلبي حاجات الأمة فيه، ولعل هذا هو السر في أن الله تعالى يبعث في الأمة في رأس كل مائة عام مَنْ يجدد لها دينها، أي بالاجتهاد بالرأي في عمومات الشريعة وكلياتها، ليستخلص منها، وفي نطاقها، ما يفي بحاجات الأمة، مهما تتابعت العصور، واختلفت البيئات، لأن هذه المفاهيم الكبرى، معينٌ ثرٌّ، ومجال خصب للاجتهاد بالرأي، وذلك آية الصلاحية، والمرونة، والاتساع، في التشريع، ما دام لا يتوقف تفهم هذه القواعد الكلية، ومقاصدها، على شيء وراء الاجتهاد، وهذا برهان قوي على كمال هذا التشريع وخلوده، مصداقًا لقوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينًا(.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت