فهرس الكتاب
وعلى هذا، يمكن القول، بأن الاجتهاد بالرأي، هو مسلك النبوة في بيانها لبعض أحكام الوقائع المتجددة، غير أن الفارق الحاسم بينه( وبين المجتهدين، أنه"لا يُقر على الخطأ"لأن مال اجتهاده( تشريع ملزم موحى به معنى، أو إقرارًا؛ بخلاف خطأ المجتهد، فإنه مصفوح عنه، بل مأجور عليه، ما دام قد بذل أقصى وسعه العلمي، بحثًا عن الحقيقة، بإخلاص وتجرد، وليس اجتهاده تشريعًا ملزمًا للناس. وأيضًا، فإن ما يُستشف من ذلك، أن اجتهاد( إنما كان استجابة لما كانت تقتضيه المطالب الملحة، والمتجددة والحالَّة، وهذا هو عين السر في ترك قسم من آي القرآن الكريم دون بيان، بعد انقطاع الوحي، مما يشتمل على القواعد العامة، وكليات التشريع، ومقاصده الأساسية، أقول ترك قصدًا إلى المجتهدين، ليتولُّوا تفسيره وتفصيله باجتهادهم، في نطاق مضمون تلك القواعد، ومقاصدها، في كل عصر، بما يفي بحاجاته المتنوعة، والمتكاثرة، والمتطورة، والملحَّة، نتيجة لتطور الحياة بالناس، وتلك حكمة بالغة، بلا ريب، ولو فُصلت زمن النبوة، لوقع الناس في العنت في أجيالهم المتعاقبة على ما بينا.
فتلخص، أن بيان الرسول ( للقرآن الكريم، بل للشريعة بعامة، لم يكن منشؤه النص دائمًا، بل كان شطر منه، اجتهادًا بالرأي على ضوء مما أراه الله تعالى وعلَّمهُ، مصداقًا لقوله تعالى: (لتحكم بين الناس بما أراك الله (( 134) أي بما"علَّمك"من سنن التشريع، وأن اجتهاده بالرأي ( لا يحتمل الخطأ انتهاء، بما يتولاه الوحي بالتصويب أو الإقرار مآلا(135) .
الإمام الزركشي ذهب إلى أن الاجتهاد بالرأي في التفسير جائز والحق أنه واجب.
غير أنه يرد على الإمام الزركشي، في ذهابه إلى أن"الرأي الذي يسنده برهان، فالحكم به في النوازل جائز" (136) والحق أنه واجب - لا جائز فحسب -، ابتداء وانتهاء، بالنسبة إلى المجتهد، لأنه هو"عين الحق"في اجتهاده، كما قدمنا.