فهرس الكتاب
هذا، ويفسر لنا الإمام الطبري إحجام بعض التابعين والسلف عن تفسير القرآن بوجه عام، بالخشية من عدم إصابة وجه الحق، بما كانوا يرون أن التفسير رواية عن الله تعالى، فكانوا حراصًا على ألا يقعوا في إثم النقول على الله، حيث يقول ما نصه:"وأما الأخبار التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه من التابعين، بإحجامه عن التأويل، فإن فعل من فعَل ذلك منهم، كفِعل من أحجم منهم عن الفتيا في النوازل، والحوادث، مع إقراره بأن الله جل ثناؤه لم يَقبض نبيه إليه، إلا بعد إكمال الدين به لعباده، وعلمه بأن لله في كل نازلة وحادثة حكمًا (140) موجودًا بنص أو دلالة، فلم يكن إحجامه عن القول في ذلك إحجام جاحد أن يكون لله فيه حكم موجود بين أظهر عباده، ولكن إحجام خائف أن لا يبلغ في اجتهاده ما كلف الله العلماء من عباده فيه، فكذلك إحجام من أحجم عن القيل في تأويل القرآن وتفسيره من العلماء السلف، إنما كان إحجامه عنه حِذارًا أن لا يبلغ أداء ما كلف من إصابة صواب القول فيه، لا على أن تأويل ذلك محجوب عن علماء الأمة، غير موجود بين أظهرهم" (141) .
هذا، ويشير الإمام الشاطبي بدوره إلى سبب آخر للإحجام هو أخص مما ذكره الإمام الطبري، فبعد أن أورد عن مسروق، قوله:"اتقوا التفسير، فإنما هو الرواية عن الله" (142) ، علل هذا بقوله:"إنما هذا كلُّه تَوَقِّ وتحرُّرٌ أن يقع الناظر فيه، في الرأي المذموم" (143) .