فهرس الكتاب

الصفحة 3938 من 23694

هذا المحظور المتحد، قد اتخذ عند الإمام الشاطبي، مفهومًا أخص، وهو الاجتهاد بالرأي، دون شاهد، ولا برهان (144) ، ولا جرم أن الاجتهاد بالرأي هو معقد الصلة بين النص القرآني والعقل الإنساني، فدفعًا لهذا المحظور، ثُمَّ تحديد هذه الصلة بينهما، على وجه يعصم الرأي من القول الجزاف، أو المعنى غير المعضود بالدليل، بقواعد تحكم تلك الصلة وشروط تضبطها، مما يرفع ما استقر في نفوس المتورعة من أسباب التخوف من التقول، وهو ما تكفل به علم الأصول الذي نهض بإرساء قواعده الأولى - جمعًا وتصنيفًا - الإمام الشافعي في كتابه"الرسالة" (145) بما يُؤمِّن للمفسر أسباب الحيطة والدقة، والموضوعية في الاجتهاد، استنباطًا نظريًا، وتطبيقًا عمليًا على السواء.

وفي هذا المعنى يقول الإمام الشافعي في رسالته الأصولية:"ومن تكلف ما جهل، وما لم تثبته معرفته، كانت موافقته للصواب - إن وافقه من حيث لا يعرفه - غير محمودة، وكان بخطئه غير معذور (146) . إذا نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الخطأ والصواب فيه" (147) ، وهذا هو المعنى الذي قرره أيضًا ابن رشد بقوله:"وهذا الخطأ المصفوح عنه في الشرع، إنما هو الخطأ الذي يقع من العلماء إذا نظروا في الأشياء العويصة التي كلفهم الشرع النظر فيها، وأما الخطأ الذي يقع من غير هذا الصنف من الناس، فهو إثم محض، وسواء أكان الخطأ في الأمور النظرية أو العملية" (148) وقد تقدم رأيه هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت