فهرس الكتاب

الصفحة 3940 من 23694

ب-وأما الإمام القرطبي، فقد أكد هذا الأصل المنهجي، وفي مقدمة تفسيره (151) ، بقول لا يعتريه لبس ولا إبهام، وبما يتضمن من حجج دامغة تنقض آراء المخالفين حيث يقول:"قال بعض العلماء: إن التفسير موقوف على السماع (153) وهذا فاسد، لأن النهي عن تفسير القرآن، لا يخلو، إما أن يكون المراد به الاقتصار على النقل المسموع، وترك الاستنباط، أو المراد به أمر آخر، وباطل أن يكون المراد به ألا يتكلم أحد (154) ، في القرآن إلا بما سمعه، فإن الصحابة -رضي الله عنهم- قد قرأوا القرآن، واختلفوا في تفسيره على وجوه، وليس كل ما قالوه، سمعوه من النبي ("(155) .

ومفاد هذا، إن لبست كافة آي القرآن العظيم، موقوفًا تفسيرها على السماع والنقل من السنة والمأثور، إذ ليس التأويل مسموعًا كله كالتنزيل.

وأيضًا علماء الصحابة، بل أكابرهم، قد نهضوا بعبء الاجتهاد بالرأي في التفسير، على أصوله المقررة، من قوانين اللغة، وقواعد الشرع، ومقاصده، بدليل وقوع الاختلاف فيما بينهم (156) -كما أسلفنا- وقد تأثر نهجهم هذا، الخالفون من التابعين، وتابع التابعين ومن بعدهم، ولا سيما تلميذ ابن عباس، ممن اعترف له بالإمامة في التفسير، وهو"مجاهد" (157) فاجتهاداته بالرأي في التفسير، أكثر من أن تحصى، ومن قبله إمام أهل الرأي، عمر بن الخطاب (158) ، وعلي بن أبي طالب، وتلميذ عمر -رضي الله عنه- وهو عبد الله بن مسعود، وغيرهم كثير، ولو كان هذا محرمًا، لكانوا أولى الناس بالتحرز والاحتياط من الوقوع في المحرم (159) .

هذا، ولا مرية، إن الاختلاف منشؤه الاجتهاد بالرأي، وهذا ينافي القول"بالتوقيف"بداهة، فثبت يقينًا، أن إطلاق القول بالتوقيف، والمنع من إعمال الرأي في القرآن، لا يصح شرعًا.

ج-أما الإمام الشاطبي، فيرى أن إهمال الرأي في القرآن، محال شرعًا، لأن أدلة الشرع تقتضي إعماله في التفسير، فضلًا عن أوضاع البيان القرآني تستلزمه، كما بيَّنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت