فهرس الكتاب
هذا، ويترتب على إهمال الاجتهاد بالرأي، لبيان حقائق معاني القرآن الكريم، تجهيل بالكثير منها، وعدم تدبر أسراره، وحكمه ومراميه البعيدة، بل وتعطيل الكثير من أحكامه، مما هو -في الأصل- متروك من قبل المشرع قصدًا، لإدراك المجتهدين باجتهادهم، عملًا بقوله سبحانه: (لعلمه الذين يستنبطونه منهم (( 160) .
وأيضًا، أن جعل التفسير كله توقيفًا، وبإطلاق، بحيث لا يكون لأحد فيه رأي ولا قول، أمر محال، شرعًا وعقلًا، لأن هذا يستقيم - في منطق العقل والشرع - أن لو بين الرسول ( القرآن، وفصّله توقيفًا، فلا حاجة إذن للاجتهاد بالرأي فيما بينه الشارع، بل هو محرم شرعًا، لأنه رأى في مقابل السنن، كما قدمنا، ولكن الثابت(161) أن الرسول ( لم يفعل ذلك، بل فسر بعضه، بما يشمل آيات الأحكام من الحلال والحرام، غالبًا، وعلى هذا لم يلزم في جميع القرآن، تفسيره بالتوقيف، بل لا يتصور(162) .
على أن القرآن الكريم، لا بد من القول فيه - كما يقول الإمام الشاطبي - ببيان معنى، واستنباط حكم، وفهم مراد، ولم يأت ذلك عمن تقدم، مأثورًا، أو توقيفًا، فأما أن يتوقف دون ذلك، وهذا غير ممكن، لما قدمنا، فلا بد إذن من القول فيه، بما يقتضيه من الاجتهاد بالرأي (163) .
هذا مفاد رأي الإمام الشاطبي، مع كثير من التصرف والتفصيل، بما يزيده إيضاحًا، ويدعمه حجة.
غير أنه يتجه على الإمام الشاطبي، أنه كيَّف إعمال الرأي في القرآن، تفسيرًا، بالجواز الشرعي، في حين أن ما يترتب على إعماله من النتائج، يجعله واجبًا لا جائزًا فحسب، فقصرت بذلك الوسيلة عن بلوغ غايتها، أو المقدمة عن نتيجتها، وإلا فما معنى قوله:"غير ممكن"وقوله"فلا بد من القول فيه"هذا القول لا يستقيم منطقيًا إلا باعتبار إعمال الرأي أمرًا واجبًا، لأن ما يتوقف عليه الواجب، فهو واجب، وإذا تكيف إعمال الرأي في القرآن بالوجوب، كان مُتعبدًا به شرعًا ضرورة، أي يُتقرب به إلى الله زلفى، لأن ترك الواجب محرم.