فهرس الكتاب
د-وهو ما أكده الإمام الماوردي (164) أيضًا بصريح قوله:"قد امتنع بعض المتحرجين، أن يستنبط معاني القرآن باجتهاده، ولو صحبها شواهد، ولم يعارض شواهدها، نص صريح، وهذا عدول عما تُعُبِّدْنا بمعرفته من النظر في القرآن، واستنباط (165) الأحكام، كما قال تعالى: (لعلمه الذين يستنبطونه منهم (( 166) ثم يتابع قوله: (ولو صح ما ذهبوا إليه، لم يعلم شيء من الاستنباط، ولما فُهِم الكثير من كتاب الله) (167) . كما قدمنا."
هـ-وأما الإمام الغزالي، فمن أهم ما استند إليه، هو حديث رسول الله ( في دعائه لابن عباس - رضي الله عنه - بقوله:"اللهم فقهه في الدين، وعلِّمه التأويل"وهذا هو الاجتهاد بالرأي بعينه، ثم عمل الصحابة، وقد صرح الإمام الغزالي برأيه هذا في كتابه الإحياء بقوله:"ولا ينبغي أن يُفهم منه - أي من حديث من"فسر القرآن برأيه- أو بما لا يعلم - فليتبوأ مقعده من النار"-إنه يجب أن لا يفسر القرآن بالاستنباط والفكر، فإن من الآيات ما نقل عن الصحابة والمفسرين، خمسة معان، وستة، وسبعة، ونعلم أن جميعها غير مسموع من النبي(.. فيكون ذلك مستنبطًا بحسن الفهم، وطول الفكر، ولهذا دعا( لابن عباس -رضي الله عنه- بقوله:"اللهم فقهه في الدين، وعلِّمه التأويل"(168) وهذا بيِّن."
وبديهي أن الامتناع عن إعمال الرأي في القرآن الكريم - فيما لم يتناوله بيان من الله ورسوله- خروج عن مقتضى الأوامر الصريحة بالتدبر والتفكر، والتعقل، المبثوثة في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالاجتهاد بالرأي من أهله.
لا خصوصية في دعاء النبي( لابن عباس، بتعليم الله تعالى له التأويل، لكونه معللًا بتوفر عناصر الاجتهاد في شخصيته المعنوية، وما امتاز به من إخلاص في تحري الحق القرآني، وتبيينه، مما ينبئ عن اتجاه النبوة إلى الاجتهاد بالرأي من قبل المتخصصين من أهل العلم، وفي كل عصر.