فهرس الكتاب

الصفحة 3944 من 23694

على أن بعض المتحرجين، قد فسر"التأويل"بأنه"التنزيل نفسه"، وهذا تعسف أو تمحل، إذ لو كان"التأويل"هو عين"التنزيل"، أو هو"المأثور المروي المتناقل" (170) ، لما كان ثمة من وجه معقول لتخصيص ابن عباس بهذا الدعاء، لأنه يغدو أمرًا مشتركًا وميسورًا لغيره تناوله، فدل على أن"التأويل"شيء وراء ظاهر التنزيل، ومأثور السنة، أو لقال الرسول(:"اللهم حفِّظه التأويل"فتبين بجلاء - فيما نحسب - أن الميزة العقلية، أو الملكة العلمية المقتدرة، قد كانت هي الباعث على الدعاء له بتعليمه التأويل، ليسلك سبيله باقتداره، وهو مسلك عقلي وعر لا ينتهجه إلا أولوا العلم، والاجتهاد والاستنباط، حتى إذا توافرت هذه"الخصيصة"في الآتين من العلماء عبر الأجيال المتعاقبة، كان الطلب والحث على سلوك هذا المنهج العلمي. لوحدة المناط، تنفيذًا لما اتجهت إليه النبوة، ورغبت فيه، من قِبل ذوي المكانة العلمية.

على أن ابن عباس نفسه - رضي الله عنه - قد عقَل معنى"التأويل"بما لا يبعد عما أدركه أئمة التفسير، وعما فصَّلنا القول فيه في المقال السابق، بدليل ما أثر عنه هو، وأثبته الإمام الطبري في تفسيره من تقسيمه لوجوه تأويل القرآن إلى أقسام أربعة تقسيمًا كاشفًا، لا منشأ، حيث خص في قسم منها العلماء ببيانه، دون غيرهم، لقوة اقتدارهم، ورسوخ قدمهم، وسعة مداركهم، مما لا سبيل إلى تبيينه إلا بالرأي والاجتهاد، فدل ذلك على وجوب إعمال الرأي في هذا القسم، قصرًا على أولي العلم دون غيرهم، وفي كل عصر، وفيما يلي بيان هذه الوجوه، مستخلصًا من واقع تفسير الإمام الطبري فيما يرويه عن ابن عباس.

التأويل على أربعة وجوه:

أ-وجه تعرفه العرب من كلامها.

ب-تفسير لا يُعذر أحد بجهله.

جـ-تفسير لا يعرفه إلا العلماء.

د-وتأويل لا يعلمه إلا الله (تعالى) - أي مما كان من أمور الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمه بها (171) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت