فهرس الكتاب
إن الكتاب العزيز قد أنزل هدى ورحمة وعدلًا للناس كافة، غير أنه سبحانه، قد أنزل معه"الميزان"أيضًا بصريح النص، وهو ما أودع الفطرة الإنسانية من"العقل"الذي يعتبر قبسًا إلهيًا قد أشاعه الله في البشر، ولذا، ترى القرآن العظيم لا يني يخاطب العقل بالتدبر، والتفقه، والتفكر في آياته البينات، طلبًا للوصول إلى"العدل"تعقلًا واستنباطًا، ليقوم الناس به، بعد تبينه، مصداقًا لقوله تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان، ليقوم الناس بالقسط (( 174) فكان العقل وزيرًا وعضدًا لعلم الكتاب، لقوله - جلَّ ثناؤه: (الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان( وهو ما فهمه"السلف"إذ كانت قولتهم:"نعم وزير العلم الرأي الحسن"(174) ويقصدون بالعلم، علم الشرع نصوصًا، وفي هذا المعنى يقول ابن القيم ما نصه: "أفلا تراه - عز وجل - كيف ذكَّر العقول، ونبَّه الفطر، بما أودع فيها، من إعطاء النظير حكم نظيره - القياس الأصولي - وعدم التسوية بين الشيء ومخالفه في الحكم؟ وكل هذا من"الميزان"الذي أنزله الله مع كتابه، وجعله قرينه ووزيره" (175) .
غير أن ما يؤخذ على الإمام ابن القيم، إنه قصر الاجتهاد بالرأي على صورة القياس الأصولي، والحق إنه عام يتناول كافة صوره، إذ لا دليل على التخصيص.
وإذا كان الميزان هو الفطرة، أو هو العدل أو أداته، كان الشرع هو الفطرة، بداهة، لا يناقضها، ولا يضادها، وهو عين ما يدل عليه، قوله تعالى مخاطبًا نبيه (: (فأقم وجهك للدين حنيفًا، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون (( 176) ومن المقرر أصوليًا، إن خطاب الرسول خطاب لأمته، ما لم يرد دليل على الخصوصية، ولا دليل.