فهرس الكتاب
لم يأت سيبويه بتحديد لما يسميه"الحرف"بوصفه أمرًا معروفًا لا يحتاج إلى مزيد من التعريف. أما ابن جني فقد حرص منعًا لكل التباس، على التفريق بين الصوت والحرف. فالصوت على حد قوله"عرض يخرج مع النفس مستطيلًا حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته. ألا ترى أنك تبتدئ الصوت من أقصى حلقك ثم تبلغ به أي المقاطع شئت فتجد له جرسًا". والصوت قسمة مشتركة بين الإنسان والحيوان، أما الحرف الذي يلفظه الإنسان الناطق أيًًَّا كان لسانه، فهو أمر انفرد به البشر دون سائر المخلوقات. والحيوان الأعجم مهما ارتقى في سلم الذكاء ومهما أتقن التقليد فلن يقوى على لفظ جميع حروف لغة من اللغات وهو مع ذلك يملك مثلنا الحلق والحنك والفم واللسان والشفتين والأنف.
وهذا التمييز الهام الذي جاء به ابن جني بين الصوت (ولم يقل النفس) وبين الحرف يذكرنا من قبيل التداعي بتلك المعلومات النادرة التي يزودنا بها علم الأنتروبولوجيا حول نشأة الكلام. والظاهر أن تطورًا حدث منذ ملايين السنين على بنية الحيوان الفقري مثل انفصال أطرافه الأمامية عن الأرض ونمو قشرة الدماغ في مقدمة أخدود"رولاندو" (وهو المركز الخاص إذا ألمّ به تلف أو خلل عجز صاحبه عن الكلام وأصيب بالحبسة أو المرض المسمى"أفازيا") وذلك نمو المنطقة الدماغية الخاصة بصنع الآلات واستخدامها. لأن اللغة أداة أو آلة واستخدامها وثيق الصلة باستخدام سائر الآلات والأدوات. واستنادًا إلى مثل هذه المعلومات القليلة يقدر علماء الأنتروبولوجيا بداية استعمال اللغة قبل حوالي مليون سنة في نهاية الطور الجيولوجي الثالث. ويجزم أقطاب الأنتروبولوجيا في يومنا على أن ثمة علاقة ثابتة بين القدرة على الكلام وبين استخدام اليدين وانتصاب قامة الإنسان وشموخ الرأس البشري. تلك هي خصائص أساسية انفرد بها البشر دون سائر الكائنات وهي وثيقة العرى مترابطة فيما بينها.