فهرس الكتاب

الصفحة 3979 من 23694

جـ- وأما العقل النظري فيبلغ أعلى مستويات التجريد، بإنشائه التصورات التي ينتزعها من الموجودات؛ فتكون مطابقة لها في حالتي الحضور والغياب (9) . ويصفه ابن خلدون بأنه"الفكر الذي يفيد العلم أو الظن بمطلوب وراء الحس لا يتعلق به عمل. فهذا هو العقل النظري؛ وهو تصورات وتصديقات تنتظم انتظامًا خاصًا، على شروط خاصة؛ فتفيد معلومًا آخر من جنسها في التصور والتصديق؛ ثم تنتظم مع غيره، فيفيد علومًا أخر كذلك. وغاية إفادته تصور الوجود على ما هو عليه، بأجناسه وفصوله، وأسبابه وعلله؛ فيكمل الفكر بذلك في حقيقته؛ ويصير عقلًا محضًا، ونفسًا مدركة؛ وهو معنى الحقيقة الإنسانية (10) ."

ومن هذا نلاحظ أن الإنسان ينتقل من الفوضى إلى النظام؛ ومن النفور في المعاملة إلى التوافق الاجتماعي؛ ومن الجهل بحقيقة الموجودات إلى العلم بها. وكل هذا لا يتم من دون اكتساب؛ فحياة الإنسان هي انتقال من الجهل إلى العلم؛ فهو جاهل الذات، عالم بالكسب.

(2) -شروط حصول التعليم: بيد أن التعليم لا يحصل عفو الخاطر؛ بل له شروط تؤدي إليه منفردة أو مجتمعة. وإذا اجتمعت وتضافرت فيما بينها، كانت نتيجة التعلم أحسن وأقوى، فما هذه الشروط؟

أ-طبيعة الفكر ذاته: إن الفكر ميال بطبيعته إلى تحصيل المعرفة، وتعلم فنونها.

إنه يقتنص حقائقها حقيقة بعد أخرى، لإشباع رغبة فيه تظل تلح عليه باستمرار يقول ابن خلدون في ذلك:"ثم لأجل هذا الفكر، وما جبل عليه الإنسان، بل الحيوان، من تحصيل تستدعيه الطبائع؛ فيكون الفكر راغبًا في تحصيل ما ليس عنده من الإدراكات؛ فيرجع إلى من سبقه بعلم، أو زاد عليه بمعرفة أو إدراك، أو أخذه من تقدمه من الأنبياء الذين يبلغونه لمن تلقاه؛ فيلقى ذلك عنهم، ويحرص على أخذه وعلمه (11) ".

وهذا يعني، أن العلم ناشئ عن طبيعة الفكر ذاته؛ وإن التعلم ميل طبيعي في الإنسان، قد يكتسبه بنفسه من التجربة؛ أو قد يأخذه عن سواه ممن يزيده علمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت