فهرس الكتاب

الصفحة 3980 من 23694

ب-العمران والحضارة: بيد أن الفكر بنفسه قليل الغناء. ولذلك كانت كثرة العمران وعظمة الحضارة مؤديتين إلى انتشار العلوم والصنائع؛ وكان لا بد لمن ينشأ في ظل حضارة المدن ذات العمران الكثير، من أن يتأثر بتلك الصنائع والعلوم؛ فيتعلم أمورًا كثيرة لا يمكن للبدوي أن يتعلمها إلا إذا طلبها في هذه المدن. وبهذا الصدد يقول ابن خلدون:"فمتى فصلت أعمال أهل العمران عن معاشهم، انصرفت إلى ما وراء المعاش من التصرف في خاصية الإنسان؛ وهي العلوم والصنائع. ومن تشوف بفطرته إلى العلم ممن نشأ في القرى والأمصار غير المتمدنة؛ فلا يجد فيها التعليم الذي هو صناعي، لفقدان الصنائع في أهل البدو.. ولا بد من الرحلة في طلبه إلى الأمصار المستبحرة، شأن الصنائع كلها (12) ".

وإذا كان العقل بطبيعته ميالًا إلى تحصيل العلم، والعمران يكسبانه نوعًا جديدًا من التفكير، ويجعلانه سريع الإدراك، حاد الذكاء. يقول ابن خلدون في ذلك:"وحسن الملكات في التعليم والصنائع وسائر الأحوال العادية، يزيد الإنسان ذكاء في عقله، وإضاءة في فكره، بكثرة الملكات الحاصلة للنفس.. ألا ترى إلى أهل الحضر مع أهل البدو، كيف تجد الحضري متحليًا بالذكاء، ممتلكًا من الكيس؛ حتى أن البدوي ليظن أنه قد فاقه في حقيقة إنسانيته وعقله؟! وليس كذلك. وما ذلك إلا لإجادته في ملكات الصنائع والآداب في الفوائد والأحوال الحضرية، مالا يعرفه البدوي (13) ."

جـ-تعليم المعلم: بيد أنه لا بد من معلم يسهل على المتعلم الصعوبات؛ ويوضح له الغوامض. وبهذا الصدد يقول ابن خلدون:"ولهذا كان السند في التعليم في كل علم، أو صناعة، إلى مشاهير المعلمين فيها، معتبرًا عند كل أهل أفق وجيل (14) ".

وليس هذا فحسب؛ بل إن أثر تعليم المعلم في تلاميذه، إنما يكون بقدر حذقه في علمه. يقول ابن خلدون في ذلك:"وعلى قدر جودة التعليم وملكة المعلم يكون حذق المتعلم في الصناعة وحصول ملكته (15) ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت