فهرس الكتاب
د-استخدام العلم: بيد أن شروط التعلم السابقة لا تنتهي بتعلم المتعلم إلى كماله، أو ما يشبه كماله، إذا لم يستخدم المتعلم العلوم التي تعلمها بالإفصاح والمحاورة، يقول ابن خلدون شارحًا فكرته:"وأيسر طرق هذه الملكة فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية: فهو الذي يقرب من شأنها، ويحصل مرامها. فتجد طالب العلم منهم، بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلمية، سكوتًا لا ينطقون ولا يفاوضون؛ وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة (16) ".
وهذا الوضع يجعل المتعلم عاجزًا عن التصرف بالعلم الذي حفظه. وهذا دليل على أن التعلم ليس بالحفظ. يقول ابن خلدون في ذلك:"فلا يحصلون على طائل من ملكة التصرف في العلم والتعليم؛ ثم بعد تحصيل من يرى منهم أنه قد حصل، تجد ملكته قاصرة في علمه، إن فاوض أو ناظر أو علَّم. وما أتاهم القصور إلا من قبل التعليم وانقطاع سنده، وإلا فحفظهم أبلغ من حفظ سواهم، لشدة عنايتهم به، وظنهم أنه المقصود من الملكة العلمية؛ وليس كذلك (17) ".
(3) حصول ملكة العلم بالتعلم: رأينا أن هناك أربعة شروط للتعلم؛ إن هذه الشروط إذا اجتمعت وتضافر بعضها مع بعض في نفس المتعلم، أدى ذلك إلى حصول ملكة عنده في العلم الذي تعرض له. ولكن، ما الملكة؟ يقول ابن خلدون شارحًا معناها:"إن الحذق في العلم، والتفنن فيه، والاستيلاء عليه، إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده، والوقوف على مسائله، واستنباط فروعه من أصوله. وما لم تحصل هذه الملكة، لم يكن الحذق في ذلك المتناول حاصلًا (18) ".