فهرس الكتاب

الصفحة 3982 من 23694

بيد أنه ينبغي لنا أن لا نخلط بين حصول الملكة والفهم والوعي؛ لأن الفهم والوعي يشترك فيهما الناس جميعًا، من عالم وعامي؛ وهما نقطة الانطلاق لتحصيل الملكة. يقول ابن خلدون مفرقًا بينهما وبين الملكة:"وهذه الملكة هي غير الفهم والوعي؛ لأنا نجد فهم المسألة الواحدة من الفن الواحد ووعيها، مشتركًا بين من شدا في ذلك الفن، وبين من هو مبتدئ فيه؛ وبين العامي الذي لم يحصل علمًا، وبين العالم النحرير. والملكة إنما هي للعالم أو الشادي في الفنون دون سواهما. فدل على أن هذه الملكة غير الفهم والوعي (19) ."

ومما يزيد في وضوح فكرة الملكة لدينا - كما يفهمها ابن خلدون - هو أنها جسمانية. وبهذا الصدد يقول:"والملكات كلها جسمانية، سواء كانت في البدن أو الدماغ من الفكر وغيره.. والجسمانيات كلها محسوسة فتفتقر إلى التعليم (20) ".

بيد أن الملكة هي نتيجة صناعة من الصنائع؛ وعنها يحصل قانون علمي، هو عقل جديد. يقول ابن خلدون في ذلك:"والصنائع أبدًا يحصل عنها وعن ملكتها قانون علمي مستفاد من تلك الملكة. فلهذا كانت الحنكة في التجربة تقيد عقلًا، والملكات الصناعية تفيد عقلًا، والحضارة الكاملة تفيد عقلًا؛ لأنها مجتمعة من صنائع في شأن تدبير المنزل، ومعاشرة أبناء الجنس، وتحصيل الآداب في مخالطتهم، ثم القيام بأمور الدين، واعتبار آدابها وشرائطها. وهذه كلها قوانين تنتظم علومًا؛ فيحصل منها زيادة عقل (21) ."

وهذا يعني أن الملكة عادة ناتجة عن صناعة من الصنائع. ونظرًا لأن ابن خلدون يعني بالصناعة معناها الشامل الذي يشمل اللغة والآداب والفنون، فقد كانت الملكة لديه نظرية وعملية؛ أي عادة فكرية وبدنية. وما يدل على صحة ذلك، قول ابن خلدون التالي:"فلهم= (الحضر) في ذلك كله آداب، يوقف عندها في جميع ما يتناولونه ويتلبسون به، من أخذ وترك؛ حتى كأنها حدود لا تتعدى. وهي مع ذلك صنائع يتلقاها الآخر عن الأول منهم (22) ".

2-التعلم والفكر واللغة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت