فهرس الكتاب

الصفحة 3984 من 23694

بيد أن هذه العلوم هي آلة لغيرها يجب أن يقتصر في دراستها على الأهم دون سواه؛ وأن لا تفرع فيها المسائل؛ لأنها ليست هي المقصودة من العلم والتعليم. يقول ابن خلدون بهذا الصدد:"وأما العلوم التي هي آلة لغيرها، مثل العربية والمنطق وأمثالها، فلا ينبغي أن ينظر فيها إلا من حيث هي آلة لذلك الغير فقط؛ ولا يوسع فيها الكلام، ولا تفرع المسائل؛ لأن ذلك مخرج لها عن المقصود؛ إذ المقصود منها ما هي آلة له لا غير. فكلما خرجت عن ذلك، خرجت عن المقصود، وصار الاشتغال بها لغوًا، مع ما فيه من صعوبة الحصول على ملكتها، بطولها وكثرة فروعها. وربما يكون ذلك عائقًا عن تحصيل العلوم المقصودة بالذات، لطول وسائلها؛ مع أن شأنهم أهم، والعمر يقصر عن تحصيل الجميع على هذه الصورة؛ فيكون الاشتغال بهذه العلوم الآلية تضييعًا للعمر بما لا يغني (26) ".

وهنا ينبغي للمعلمين الذين يقومون بتعليم هذه العلوم الآلية، خلافًا لما هو الشأن في العلوم المقصودة بالذات، أن لا يتوسعوا في الكلام فيها؛ وأن لا يفرعوا مسائلها؛ بل أن يقتصروا على الضروري منها؛ وهو الذي يحتاجه المتعلم، لفهم العلوم المقصودة واستخدامها. لكن ذلك ينبغي أن لا يبقى مكتومًا في أنفسهم، يتصرفون بحسبه فقط؛ بل لا بد لهم أيضًا من أن ينبهوا عليه المتعلمين. ويطلعوهم على الغرض من هذه العلوم، ليقفوا عنده.

ومع ذلك، فهذا لا يمنع من يريد التوغل في هذه العلوم، من أن يتوغل فيها، بحسب ما يحلو له. فمن نزعت به همته إلى ذلك، فليرق له ما شاء من المراقي، سواء أكان ذلك مرقى صعبًا أم سهلًا (23) .

(2) وسائل التعلم: لا يقتصر ابن خلدون على تحديد المواد التي ينبغي التوسع فيها، والتي لا ينبغي التوسع فيها؛ بل يتطرق أيضًا إلى الكلام على التآليف التي ينبغي أن تطلب العلوم بها. وهو يرى أنها يجب أن تكون مطولة وقليلة؛ لأن كثرة التآليف تعيق عن تحصيل العلوم؛ والتآليف المختصرة مخلة بأسباب التعليم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت