فهرس الكتاب
أ-كثرة التآليف والتحصيل: إن كثرة التآليف في علم من العلوم، تعيق المتعلم عن تحصيل هذا العلم؛ إذا شاء أن يعتمد عليها كلها في دراسته. وذلك لأن المصطلحات المستخدمة في بعضها تختلف عن المصطلحات المستخدمة في الأخرى. وكذلك الطرائق المتبعة في التأليف والإيضاح ليست واحدة فيها جميعًا. وهذا وذاك من شأنهما أن يضيعا عقول المتعلمين؛ ويخلقا المصاعب في وجوههم؛ فيعجزوا عن استحضار ما ورد في هذه التآليف.
وهذا من شأنه أن يلحق الضرر بالمتعلم؛ وأن يقيم في وجهه العوائق؛ إذ أن منصب التحصيل لا يسلم إلا بعد حفظه هذه التآليف كلها أو أكثرها، مع مراعاة الطرائق المتبعة فيها. ولما كان عمر المتعلم محدودًا لا يفي بتحصيل ما كتب في صناعة واحدة، إذا تجرد لها، كان لا بد من أن يقع في القصور؛ وأن يقف به علمه وتعلمه دون رتبة التحصيل (28) .
ومن هنا كان لا بد للكتب التي توضع بين أيدي المتعلمين، ويطلب منهم استحضار ما ورد فيها، أن تكون قليلة من ناحية؛ وأن تكون المصطلحات الواردة فيها متقاربة متشابهة، من ناحية أخرى.
ب-التعليم والمختصرات المخلة به: وكما إن كثرة التآليف عائقة عن تحصيل العلوم، كذلك المختصرات المؤلفة فيها مخلة بتعلمها. يقول ابن خلدون في هذا الصدد:"ذهب كثير من المتأخرين إلى اختصار الطرق والأنحاء في العلوم، يولعون بها، ويدونون منها برنامجًا مختصرًا في كل علم يشتمل على حصر مسائله وأدلتها، باختصار في الألفاظ، وحشو القليل منها بالمعاني الكثيرة من ذلك الفن، وصار ذلك مخلًا بالبلاغة، وعسرًا على الفهم (29) "
وهذا يؤدي إلى خلل التعليم وفساده؛ لأسباب منها:
أولًا- يرجع إخلال المختصرات بالتعليم إلى التخليط الناشئ عن عملية الاختصار نفسها؛ فتلقى الغايات من العلم على المتعلم، وهو بعد عاجز عن إدراكها، غير مستعد لقبولها.