فهرس الكتاب
(1) التعليم وأساسه النفسي: يرى ابن خلدون أن الكثيرين من المعلمين يجهلون طرائق التعليم وإفاداته؛ مما يجعلهم يعتقدون بأن التعليم الجيد هو الذي يكون بعرض أمهات المسائل أمام المتعلم، في سبيل إعمال فكره فيها، وإيجاد حلولها. يقول مبينًا ذلك:"وقد شاهدنا كثيرًا من المعلمين لهذا العهد الذي أدركنا، يجهلون طرق التعليم وإفاداته؛ ويحضرون للمتعلم في أول تعليمه، المسائل المقفلة من العلم، ويطالبونه بإحضار ذهنه في حلها؛ ويحسبون ذلك مرانًا على التعليم، وصوابًا فيه؛ ويكلفونه وعي ذلك وتحصيله؛ ويخلطون عليه بما يلقون له من غايات الفنون في مبادئها؛ وقبل أن يستعد لفهمها (41) ".
بيد أن هذا النوع من التعليم سيِّئ في رأي ابن خلدون؛ وليس له من نتيجة سوى ابتعاد المتعلم عن التعليم، وهجرانه له. يقول معللًا:"وإذا ألقيت عليه الغايات في البداءات؛ وهو حينئذٍ عاجز عن الفهم والوعي، وبعيد عن الاستعداد له، كل ذهنه عنها، وحسب ذلك من صعوبة العلم في نفسه؛ فتكاسل عنه، وانحرف عن قبوله، وتمادى في هجرانه؛ وإنما أتى ذلك من سوء التعليم (42) ."
وإذا أمعنا النظر قليلًا في هذا الكلام، وجدنا أن ابن خلدون يحدثنا عن أمرين هما مفتاح فكرته في الطريقة الصحيحة في التعليم، أما الأمر الأول فهو"وجود استعداد"تجب مراعاته؛ في حين أن الأمر الثاني هو"سوء التعليم"في حال عدم مراعاة هذا الاستعداد.
وهذا يدل على أن ابن خلدون يريد أن يبني طريقة التعليم على أساس من معرفة الأصل النفسي الذي يعتمد عليه؛ وهو الاستعدادات. يقول مفصحًا عن وجهة نظره:"فإن قبول العلم والاستعدادات لفهمه تنشأ تدريجيًا؛ ويكون المتعلم أول الأمر عاجزًا عن الفهم بالجملة، إلا في القليل، وعلى سبيل التقريب والإجمال والأمثال الحسية (43) ."