فهرس الكتاب
لكن هذه الاستعدادات قابلة للنمو، وبنموها يحصل التعليم، إلى أن يصل إلى غايته. يقول ابن خلدون بهذا الصدد:"ثم لا يزال الاستعداد فيه يتدرج قليلًا قليلًا، بمخالفة ذلك الفن، وتكرارها عليه، والانتقال فيها من التقريب إلى الاستيعاب الذي فوقه؛ حتى تتم الملكة في الاستعداد، ثم في التحصيل، ويحيط بمسائل الفن (44) ."
وهاتان الحقيقتان النفسيتان: وجود الاستعداد ونموه، هما اللتان جعلتا ابن خلدون يضع مبدأين تربويين موازيين لهما، وقائمين عليهما. أما المبدأ الأول فهو مراعاة الاستعداد عند المتعلم؛ وأما المبدأ الثاني فهو مراعاة المستوى الذي بلغه هذا الاستعداد (45) .
ومن هذين المبدأين تنتج نظرية ابن خلدون في التكرارات الثلاثة، التي عدها الطريقة الصحيحة في التعليم؛ وهي التي سنتكلم عليها في الفقرة التالية:
(2) طريقة التكرارات الثلاثة: لخص ابن خلدون نظريته في التكرارات الثلاثة في فقرة قصيرة استهلها بضرورة مراعاة التدرج في التعليم، فقال:"إن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدًا إذا كان على التدريج، شيئًا فشيئًا، وقليلًا قليلًا (46) ".
وبعد أن يطالعنا بهذه القاعدة، يشرح لنا وجوه هذا التدرج، ويحدده لنا بثلاثة تكرارات:
1-أما في التكرار الأول فيلقى على المتعلم مسائل من كل باب من الفن المراد تعليمه إياه. وهذه المسائل لا تتعدى أصول ذلك الباب؛ وهي تشرح بطريقة التقريب على سبيل الإجمال، مع مراعاة قوة عقل المتعلم، واستعداده لتقبل ما يشرح له. حتى إذا فرغ المعلم من شرح أصول الباب الأول، انتقل إلى أصول الباب الثاني. وهكذا حتى ينتهي من ذلك الفن كله؛ وهو ما زال يأتي بالشروح الإجمالية.
ومتى نفض المتعلم يده من هذا الفن بعد هذا التكرار الأول، حصلت له ملكة فيه، إلا أنها جزئية وضعيفة. لكنها تظل مع ذلك ذات فائدة كبيرة؛ لأنها هيأت المتعلم لفهم العلم وتحصيل مسائله.