فهرس الكتاب
2-وإذا انتهى المتعلم من تعلم العلم بحسب التكرار الأول؛ عاد به المعلم إليه، في تكرار ثان أكثر استيفاء؛ فيخرج من الإجمال إلى التوسع، متعرضًا في كل مسألة إلى وجوه الخلاف فيها. ومتى فرغ من باب انتقل إلى الباب الذي يليه؛ ومتى انتهى من مسألة انتقل إلى مسألة أعوص منها. وهكذا حتى يأتي على الفن من جديد. وفي هذه الحالة تجود ملكة المتعلم، وتصبح أشد مما كانت عليه في التكرار الأول.
3-ولا يكاد المتعلم يصل إلى هذا الحد، حتى ينتقل به المعلم إلى العلم نفسه من جديد، في تكرار ثالث. وعندئذ لا يترك عويصًا ولا مهمًا ولا مغلقًا إلا ويوضحه له، ويفتح أمامه مغاليقه، ويلفت إليه انتباهه.
بعد هذا التكرار الثالث تستولي ملكة هذا العلم على المتعلم، ويصبح عالمًا متمكنًا منه، يستطيع أن يميز فيه المسائل، وأن يقلب فيه وجوه النظر (47) .
تلكم هي طريقة التكرارات الثلاثة؛ وهي تصلح للمتعلمين العاديين الذين لا يبدون نبوغًا أو عبقرية. أما المتعلمون النابهون، فبإمكانهم أن يختصروا الشوط بحسب ذكائهم ونبوغهم. يقول ابن خلدون منبهًا إلى الاستثناء:"هذا وجه التعليم المفيد؛ وهو - كما رأيت - إنما يحصل في ثلاثة تكرارات. وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك، بحسب ما يخلق له، ويتيسر عليه (48) ".
(3) مبادئ تعليمية: وزيادة على طريقة التكرارات الثلاثة نجد في مقدمة ابن خلدون، مبادئ تعليمية تسترعي الانتباه، بعضها ينطبق على الأمور العملية، وبعضها الآخر ينطبق على الأمور العملية والنظرية على حد سواء.
أ-المبادئ العامة: هناك بعض المبادئ التعليمية العامة التي يشير إليها ابن خلدون في تضاعيف مقدمته؛ وهي - وإن ذكرها في معرض حديثه عن الصنائع - تصدق على تعلم العلوم والصنائع على حد سواء؛ نظرًا لأنه يفهم الصناعة فهمًا واسعًا؛ كما أشرنا إلى ذلك سابقًا.