فهرس الكتاب
1-الانتقال من البسيط إلى المركب: يرى ابن خلدون أن الصنائع منها البسيط ومنها المركب؛ وإن تعليم البسيط متقدم على تعليم المركب. ويعلل ذلك بأمرين اثنين: بساطة البسيط واختصاصه بالضروري. وبهذا الصدد يقول:"ثم إن الصنائع منها البسيط ومنها المركب؛ والبسيط هو الذي يختص بالضروريات؛ والمركب هو الذي يكون للكماليات؛ والمتقدم منها في التعليم هو البسيط لبساطته أولًا؛ ولأنه مختص بالضروري الذي تتوفر الدواعي على نقله؛ فيكون سابقًا في التعليم؛ ويكون تعليمه لذلك ناقصًا (49) ".
ومن الملاحظ أن ابن خلدون يتكلم على الصنائع، وهو بصدد هذا المبدأ. وهذا ينطبق على التعليم؛ إذ إن التعليم من جملة الصنائع، كما يقول لنا هو بالذات (50) .
2-انتقال أثر التعليم: وكذلك يضع ابن خلدون مبدأ تعليميًا آخر؛ وهو انتقال أثر التعليم من علم إلى علم؛ بحيث يؤدي فهم بعض العلم إلى فهم بعضه الآخر. يقول ابن خلدون بصدد ذلك:"لأن المتعلم إذا حصّل ملكة ما في علم من العلوم، استعد بها لقبول ما بقي، وحصل له نشاط في طلب المزيد والنهوض إلى ما فوق حتى يستولي على غايات العلم (51) ."
بيد أن ابن خلدون لا يقف بمبدئه هذا عند هذا الحد، بل يتوسع فيه، حتى يجعله يفيد في الانتقال من صناعة إلى صناعة؛ ومن علم إلى علم. يقول في ذلك:"ولا شك أن كل صناعة مرتبة يرجع منها على النفس أثر يكسبها عقلًا جديدًا تستعد به لقبول صناعة أخرى؛ ويتهيأ بها العقل لسرعة الإدراك للمعارف (52) ".
وهكذا نجد أن ابن خلدون يعتقد بإمكان انتقال أثر التعليم، لا ضمن العلم الواحد والصناعة الواحدة فقط، بل من علم إلى علم، ومن صناعة إلى صناعة أيضًا.