فهرس الكتاب
وتقول السيدة فتحية سليمان:"وفي رأي كاتبة هذا البحث، يعتبر ابن خلدون أيضًا من الكتاب العرب القلائل الذين كتبوا في التربية والتعليم كتابة الخبير؛ وكان له مذهب واضح مستمد من فلسفته الواقعية. فقد اهتم ابن خلدون بدراسة المجتمعات وتطورها، من عهد البداءة حتى عهد التحضر؛ واعتبر"العلم والتعليم"ظاهرة من الظواهر الاجتماعية التي تميز المجتمعات المتحضرة (63) ".
ولكننا لن نقنع بهذه الآراء المعممة؛ ونريد أن ننظر نظرة تحليلية فاحصة إلى كل ما قدمناه من آراء ابن خلدون في التربية والتعليم؛ ما دام ما يهمنا في نهاية التحليل هو مضمون هذه الآراء بالذات. لهذا سنخصص لابن خلدون الصفحات التالية، نبين فيها ما له وما عليه، وفقًا لما يراه العلم.
(1) الجوانب المشرقة: يمكننا أن ترى عدة جوانب مشرقة في آراء ابن خلدون التربوية والتعليمية؛ وهي التالية:
أ-ربطه التربية والتعليم بالحياة الاجتماعية: كان ابن خلدون أول من نظر إلى المجتمع نظرة علمية؛ وقد كان بهذا المعنى، أول من عدَّ التربية والتعليم ظاهرتين اجتماعيتين.
والحقيقة، إنه يرى أن التربية والتعليم لا يختلفان عن الظواهر الاجتماعية الأخرى، من حيث أنهما ظاهرتان اجتماعيتان: فهما تنشأن عن قيام المعرفة والعلم اللذين هما من نتاج الفكر البشري في المجتمعات الإنسانية. وازدهار الصنائع والعلوم وتقدمها لا يحدثان إلا إذا تناقلت الأجيال هذه العلوم وتلك الصنائع. لكن تناقلها يعني التربية والتعليم. ومن هنا كانت التربية والتعليم ظاهرتين اجتماعيتين ناتجتين بالضرورة عن الحياة الاجتماعية. وهذا يعني، أن التربية والتعليم صناعتان من صنائع المجتمع؛ تنشأن فيه؛ وتتطوران بتطوره؛ وتزدهران بازدهاره. وهذه نظرة أصيلة لا بد من تسجيلها لابن خلدون.