فهرس الكتاب
ب-الملكة عادة جسمانية وعقلية مكتسبة: وفهم ابن خلدون للملكة أصح من فهم الفلاسفة لها: فقد رأوا أنها قوة نفسية مستقلة، هي مبدأ فعل معين من أفعال النفس؛ كالحساسية أو التفكير أو التذكر إلخ.. أما هو فقد رأى أن الملكات هي عادات مكتسبة يصل إليها المرء نتيجة تحصيله المعارف أو الصنائع؛ وهي تحصل من استعمال الأفعال وتكرارها، حتى ترسخ صورتها.
لقد حفظ ابن خلدون - برأيه هذا - للنفس وحدتها وتكامل قدرتها؛ ولم يقسمها إلى قوى مستقلة ذات"مناطق نفوذ"مستقلة، كما فعل فلاسفة القرون الوسطى.
وفضلًا عن ذلك، فقد جعل الملكة جسمانية وعقلية معًا؛ فلم يفرق بين تعليم عقلي وآخر عملي؛ بل ربط القوى العقلية والجسمانية، وجعلها تتعاون في اكتساب الملكة. وهذا الرأي هو الذي أخذ به علم النفس الحديث؛ وإن كان يفضل استعمال كلمة قدرة أو قوة بدلًا من كلمة ملكة؛ لما تحمله هذه اللفظة من المعنى الذي حملها إياه فلاسفة القرون الوسطى.
جـ-إقامته التعليم على أساس نفسي: بيد أن الفكرة الرائعة التي أتحفنا ابن خلدون بها هي قوله بضرورة إقامة التعليم على أسس نفسية. وقد حصر هذا الأساس النفسي بأمرين، هما - كما رأينا - وجود الاستعداد ومستوى نموه؛ وجعل التعليم الجيد مرتبطًا بهما. فإذا راعاهما المعلم، بلغ بالمتعلم درجة جيدة من العلم؛ وإذا لم يراعهما، كان تعليمه سيئًا.