فهرس الكتاب
أما من الناحية العملية فقد وضع مبدأين صحيحين، هما مبدأ المباشرة ومبدأ المعاينة. ويعني بالمباشرة القيام بالفعالية العملية: فمن يريد تعلم فعالية عملية، يجب عليه أن يباشرها بنفسه، لا أن يكتفي بمعاينة من يقومون بها، أو الإصغاء إلى كلام من يتحدثون عنها. ولكن المعاينة ضرورية مع ذلك؛ لأنها الطريق إلى المباشرة. وتعني المعاينة أن يشاهد (يعاين) المتعلم المتمرسين بالفعالية العملية، وهم يقومون بها ويؤدونها. ولا شك أن من يريد مباشرة فعالية ما، هو بحاجة إلى معاينتها قبل مباشرتها.
لا شك أن هذين المبدأين العمليين صحيحان: إنهما عمدة التعليم العملي في المدارس الصناعية في الدروس العملية؛ وفي دور المعلمين في دروس التطبيقات المسلكية.
(2) الجوانب المعتمة: ونعني بها آراء ابن خلدون التي خالط فيها الصواب؛ كما يخالط النور الظلام في أول الليل:
أ-استعمال طريقة التكرارات الثلاثة: لقد اعتقد ابن خلدون أن المعلم هو كل شيء في عملية التعليم؛ وإن المتعلم يجب أن يقف موقف المتلقي منه. ولهذا لم يؤتِ مبدؤه في التكرارات الثلاثة أكله كاملة. لا شك أن المبدأ الذي قامت عليه هذه الطريقة ينسجم مع نتائج علم النفس: فهي تبدأ بالإدراك الإجمالي، ثم تنتقل إلى توضيح تفاصيله، في تكرار بعد آخر. ولكن هذا لا يمنع من أن تكون غير ذات قيمة تعليمية في التطبيق؛ إذ إن العبرة ليست في المبدأ، بل في طريقة استعماله.
والحقيقة أن ابن خلدون أراد من المعلم أن يكون صاحب الفعالية الكلية في طريقة التكرارات الثلاثة؛ فوضع المتعلم في موقف المتلقي لا في موقف من يقوم بالفعالية. وهذا من شأنه أن يشل قوى المتعلم الفكرية؛ ويقعد به عن إدراك مرامي العلم وإتقانه. ولعل المتعلمين الذين شكا من أنهم لا يناقشون ولا يناظرون، إن لم يتعلموا بهذه الطريقة، فقد تعلموا بطريقة شبيهة بها على الأقل.