فهرس الكتاب
أ-من نماذج الدعاء دعاء زكريا وهو قائم يصلي في المحراب لا يني ينادي ربه نداء خفيًا، ويكرر اسم ربه بكرة وعشيًا ويقول: (رب إني وهن العظمي مني، واشتعل الرأس شيبًا، ولم أكن بدعائك رب شقيًا، وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرًا فهب لي من لدنك وليًا، يرثني ويرث من آل يعقوب، واجعله رب رضيًا(، وهو نداء عذب سلسل الإيقاع كأنه غناء يصّاعد في السماء ألحانًا متناغمة روحانية رخية تعمقها الفواصل بياءاتها المشددة وتنوينها المحول عن الوقف ألفًا لينة أشبه بألف الإطلاق التي ينفرج معها الفم ويذهب الصوت بعيدًا في أجواء الفضاء.
ب-يقابل هذا اللون من الدعاء بما فيه من نداوة ولين هتاف نوح الأبح وهو يدعو قومه ليلًا ونهارًا إلى الحق الأبلج المبين، ويصر على نصحهم سرًا وعلانية وهم يلجون في كفرهم وعنادهم، ويفرون من الهدى ولا يزدادون إلا ضلالًا، فما على نوح - وقد آيس منهم - إلا أن يتملكه الغيظ ويمتلئ فوه بكلمات الدعاء الثائرة الغضبى تنطلق في الوجوه مدوية مجلجلة صاخبة، بموسيقاها الرهيبة وإيقاعها العنيف وصرخاتها التي لا تبقي ولا تذر: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرًا كفارًا(.
ج-وثمة أسلوب موسيقي ثالث في أداء الدعاء يباين هذين الأسلوبين ينطلق هذه المرة من الحناجر الكظيمة المكبوتة، حناجر الكافرين النادمين يوم الحساب العسير، ولنا أن نتخيل هؤلاء المعذبين تلفح وجوههم النار فيتحسرون ويحاولون التنفيس عن كربهم ببعض الأصوات المتقطعة المتهدجة كأنهم يتخففون بها من أثقال تنقض ظهورهم، ويفرغون عن طريقها ما يعانون من عذاب أليم: (ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا، ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنًا كبيرًا(.
هذه وغيرها أنواع من الإيقاع متعددة ومتغيرة، لا يضاهي تنوعها سوى وفرتها.