فهرس الكتاب
وفي القارعة برزت الآثار في مشاهد القيامة، في مشهد الزلزلة الذي تطير له القلوب، وترجف لهوله الأوصاف، ويحس السمع كأن كل شيء يتشبث في الأرض أصبح هباء منثورًا: الناس على كثرتهم أضحوا صغارًا ضئالًا كالجراد المنتشر، والجبال على ضخامتها ورسوها أصبحت حجومًا بلا وزن، كتلًا بغير ثقل، كالعهن المنفوش: (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، وتكون الجبال كالعهن المنفوش(.
وفي الحالين على السواء حالة الآخرة وحالة الماضي كانت آثار الزلزال رهيبة في النفس وفي الكون، آثار الحاقة وآثار القارعة، كانت مشاهد الواقع أجوبة للتساؤلات المرجعة، ثم أضحت بعد المشاهد أجوبة بغير تساؤلات.
نأتي الآن إلى ترجيع العبارة وله صور عدة تعنينا تلك التي ترددت في سور:
*الشعراء: (إن في ذلك لآية( ثماني مرات (وإن ربك لهو العزيز الرحيم( تسع.
*القمر: (فكيف كان عذابي ونذر( ثلاث.
*الرحمن: (فبأي آلاء ربكما تكذبان( إحدى وثلاثون.
*المرسلات: (ويل يومئذ للمكذبين( عشر.
هذه الجمل المرجعة سواء تلك التي وردت عقب عرض كل نعمة من نعم الله على العباد، أو تلك التي وردت عقب كل حلقة من حلقات العذاب لها دورها النغمي الهام في نسق السورة، إنها أشبه ما تكون باللازمة الإيقاعية المترددة التي تؤدى بين كل فقرتين من فقرات الأغنية أو الأنشودة، هي ليست مجرد تكرار للتذكير بنعمة أو نقمة فحسب إنما هي جملة تكتب وتكسب النص كلما رجعت نغمة جديدة، وعمقًا جديدًا، وعندما تنتهي السورة تكون اللازمة قد أدت دورها كاملًا، ووقعت على أوتار النفس توقيعات شتى، عمقت لدى المتلقي الإحساس النهائي الذي خلفه في روعه النص، وتلك طريقة القرآن.