فهرس الكتاب
ويذهب بعض الدارسين إلى أن تحديد التوقع يزداد كلما اتجه الكلام نحو الوزن أو الشعر بحيث يكاد يصبح التحديد في بعض الحالات التي تستعمل فيها القافية كاملًا، بل أكثر من ذلك أن وجود فترات زمنية منتظمة في الوزن أو في الإيقاع يمكننا من تحديد الوقت الذي سيحدث فيه ما نتوقع، والوزن شأنه شأن الإيقاع ينبغي ألا نتصوره على أنه في الكلمات ذاتها أو في دقات الطبول، إنه ليس في المنبه وإنما في الاستجابة التي تقوم بها، وهكذا حين نستمع إلى لحن ما يبدأ بنغمة من النغمات نحاول أن نتوقع ورود النغمة التالية، وتستريح أنفسنا إلى ذلك، وهو أمر طبيعي، إلا أننا لا نكاد نسمع النغمة الثانية حتى نشعر بما يشبه الشوق أو الحنين إلى عودة النغمة الأولى، وقد لا يشبع اللحن هذا الحنين مباشرة فيأتينا بنغمة متوسطة تثير في أنفسنا مرة ثانية أو ثالثة إحساسًا جديدًا بالترقب، وعلى طريق هذا الجذب، الشوق أو التوتر تثار في أنفسنا ألوان شتى من الانفعالات.
وتتبدى هذه الظاهرة الموسيقية في القرآن بشكليها شكل القافية وشكل النغمة فالأولى يترقبها القارئ لا سيما في الآيات الطوال ويفتش عنها ويحن إليها لأنها تلبي لديه إحساسًا دفينًا بالراحة، أو تحدث تأثيرًا نفسيًا بتحقق النشوة، وهذا ما سنعرض له حين نتحدث عن الفاصلة.
والثانية-النغمة يمكن تبينها في غير سورة كالمدثر والنازعات والانشقاق والبروج والفجر وسواها.
في سورة المدثر يبدأ اللحن بإيقاع سريع حاسم وقصير: (يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر..( ثم تتغير نغمة الإيقاع: (ذرني ومن خلقت وحيدًا..( ثم يمتد أكثر ويطول طولًا لافتًا للسمع في نيف وخمسين كلمة: (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة، وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا..(، ثم يعود الإيقاع كما بدأ: (كلا والقمر، والليل إذا أدبر، والصبح إذا أسفر(.