فهرس الكتاب
ويظهر أن القفلات المغايرة كما جاءت في سورة النجم والرحمن والحاقة والواقعة والانفطار والضحى والعلق والمسد.. هي اللافتة للنظر وللأذن، ويسأل المرء عن سبب المغايرة؟ قد نقول أن المفاجأة ذاتها في النغمة الأخيرة للحن تتضمن في حد ذاتها عنصر التشويق فيكون ما لم نتوقعه هو الذي يشعرنا بالراحة لا ما نتوقعه، ولكن هذا وحده على صحته لا يكفي، ولنا أن تعليل هذه القفلات المغايرة يرجع إلى أمرين أحدهما معنوي وثانيهما نغمي، ولنأخذ مثالين لإيضاح ما نقصده، الأول قفلة سورة الضحى (وأما بنعمة ربك فحدث( والثاني قفلة سورة المسد (في جيدها حبل من مسد( فلو غيرنا هاتين القفلتين بأن جعلنا الأولى فأجهر مثلًا والثانية من قنب حتى تماثلا حروف الفواصل في الآيات لتغير المعنى والإيقاع والتناسق الذي يجري عليه القرآن في سوره، ذلك أن الجهر بالدعوة الإسلامية غير التحدث بها، اللفظ الأول لا يتناسق مع إطار السورة الرائق الشفيف الواني، واللمسات الحانية الوديعة التي يطلقها النسق ويصورها النظم الجميل بألطف عبارة، وأشجى نغمة.
أما اللفظ الثاني فإنه بنعومته ودلالته على الانتشار يتسق مع هذا الجو جو الرضا الشامل، والإطار إطار الرحمة والأنس والحنان، ويؤكد ذلك الفرق بين صوت اللفظين وما يحدث أحدهما في النفس من نبر قوي وشدة ظاهرة لا يناسبان السياق، وما يحدثه الآخر من نعومة واضحة ورقة بالغة أقرب ما تكونان إلى هذا السياق.