فهرس الكتاب
3-الجزء الأخير الذي تذيل به الآية، ويكون أفضل نهاية مناسبة متمكنة لها.
وسنلحظ في دراستنا هذه المعاني الثلاثة وإن اتكأنا على الأول منها.
للفاصلة ثلاثة جوانب موسيقية. الأول إيقاعي والثاني تناغمي والثالث تآلفي، فلها جانبها الإيقاعي باعتبار أن الإيقاع ليس مجرد ظاهرة تقوم على التكرار المنتظم ويلعب فيه الزمن المتساوي دورًا هامًا (وهو معنى آثرناه للوزن) بل هو أقرب إلى عدم الانتظام، أو أقرب إلى التنوع في انتظام الحركة بشكليها التماثلي والتجاوبي، ومن شأن الفاصلة أن تضبط هذه الحركة، أو تجعل لها قفلة أو نهاية من نوع ما.
وللفاصلة جانبها التناغمي لأن لكل سورة لحنًا هو عبارة عن تتابع أنغام مختلفة الدرجة ومتناسقتها في الوقت ذاته شريطة ألا نفهم من التناغم هنا التنغيم، فهذا التنغيم في الأصوات البشرية هو حالات صعود الصوت وهبوطه في القراءة، ولا علاقة له بتناغم اللحن.
والجانب الثالث التآلفي للفاصلة يقترب من الجانب الثاني ويتداخل، ذلك أن في كل سورة نغمة أساسية ونغمات ثانوية، والعلاقة بينهما هي ما نطلق عليه اسم التآلف، وهي العلاقة نفسها بين النغمة الواحدة والنغمات التي تليها في اللحن، فكأن التآلف والتناغم مصطلحان متداخلان أو مظهران لأمر واحد إذا وجد متزامنًا سمي تآلفًا وإذا وجد متتابعًا سمي تناغمًا.
والفاصلة في هذين الجانبين الموسيقيين تقوم بوظيفة بنائية إن لم تفق دورها السابق الإيقاعي فهي لا تقل عنه، إنها في شتى ضروبها مفردة أو متغيرة، موحدة أو مزدوجة تندمج في نسج السورة المتشابك، وتتمايز منه، وتعمل على أن تكون ناظمًا يمسك حدود الآية، نقول يمسكها ولا يضبط نهايتها، لأنه يوقف ويلون في أن سيل المشاعر والأحاسيس واللمسات المتغيرة المستمرة التي تضرب ضرب الريشة في التصوير، وتدق النفس في أوتارها وأعصابها، ولا بد لسيل المشاعر، اللحن السماوي من مفتاح، وليس هذا المفتاح بأكثر من الفاصلة.