فهرس الكتاب
في مثل هذه الأحوال الجديدة أضحى للفاصلة وظيفة جديدة، دور جديد في التشكل الإيقاعي لنغم السورة أو الآية، صار لها قيمتان إيقاعية وموسيقية نجدهما متمايزتين أو متداخلتين، وكقاعدة عامة في تلمسهما ننظر في حرف الروي فإن كان ساكنًا فإن التأثير يكون إيقاعيًا صرفًا، وإن كان لينًا أو متحركًا بعده لين فإن التأثير سيكون موسيقيًا صرفًا.
ولنبدأ ببيان القيمة الإيقاعية: من المعروف أن الصوت الساكن في اللغة ذو قيمة ضئيلة إذا قورن بأصوات اللين إلا أنه حين يتميز ويتكرر يشبه منبهًا قويًا يقوم بوظيفة القرع، وبالقرع لا نتبين رؤوس الآي ونحدد وقفاتنا أثناء القراءة فحسب وكما كنا نصنع في الآيات المدنية بل نعمل على ضبط الإيقاع أولًا، ومسك تدفق الأحاسيس ثانيًا، وتلوين درجة الصوت بحيث يكون أعلى أو أضعف من صوت الآية ثالثًا، وهذه هي المهمة المثلثة الجديدة للفاصلة بحرفها الساكن، إنها ظاهرة صوتية تضبط النغمة وتبرز بين لحظة وأخرى مواضع النقرات، وتمسك سيل موجات الشعور المتدفقة، وتكون عاملًا مساعدًا في التنغيم صعودًا وهبوطًا فوق درجات السلم.
لنقرأ قوله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك وانحر، إن شانئك هو الأبتر(، يبدو حرف الراء الساكن في الفواصل كأنه نذير يصيح بانتظام، إنه دقات الطبل التي نسمعها تتوالى في الفرق الموسيقية تقرعنا قرعًا، قفلات النغم المنحدر التي تحبسه، الأخدود الذي تتجمع فيه وتنتهي إليه دفقات السيل المتراكض، وسواء قرأنا الآيات دفعة واحدة بدون وقفات أو على دفعات وبوقفات فدقات الإيقاع، نقراته ونبراته لا تتبدل ولا تتغير، وهذا هو المقصود أو التأثير المقصود.
في نموذج آخر تتلامح المهمات الثلاث للفاصلة الساكنة في السور المكية، وسأختار عن قصد رويًا مختلفًا حتى لا نظننّ أن الحرف هو الذي منح الفاصلة صفتها، لا!! فالصوت الساكن هو الذي منحها خصيصتها وإن كان للون الحرف أثر أو بقية من أثر.