فهرس الكتاب

الصفحة 4086 من 23694

أول ما نحسه في الفاصلة هو انفكاكها أو تخليها عن الإيقاع، عن دقات الطبول السابقة، وهذا الانفكاك أو التخلي أبرز قيمتها الموسيقية كمفتاح لتآلف لحني مكون من تناسبات الألف اللينة. وتكمن المشكلة هنا في القدرة على صرف الذهن عن المعنى مؤقتًا وتوجيهه نحو نغم الأصوات لعلنا نشعر بالنغم المميز لحرف اللين إلا أنا لا نشعر بوجوده المستقل لتعودنا سماعه ممتزجًا بسائر النغمات، ومع ذلك فلو أعدنا قراءة السورة وحاولنا أن نطلق خيالنا السمعي وراء أصوات الألف لأحسسنا لحنًا من التناغمات المتسقة والتآلفات المتناسقة، ولشعرنا بجو من الامتداد والانطلاق والاطمئنان والرضا، جو الضحى الرائق، والغشيان، والتجلي العميم، الجو الشعوري الذي أراده النص، وساعدت الفاصلة بألفها اللينة وقبلها الهاء الممتدة على منحه لونه الخاص وطعمه.

والفاصلة بقيمتيها الإيقاعية والموسيقية تلعب في السور دور المفتاح في اللحن الموسيقي، ويمتاز القرآن من الموسيقى وفن القول عمومًا بتنويع هذه المفاتيح والانتقال فيما بينها في السورة الواحدة بيسر وسهولة، فإذا كان قد استعمل مفتاحًا واحدًا في سور العصر والمسد والماعون والفيل والقارعة والقدر والليل والشمس والأعلى.. فإنه في العلق والفجر والغاشية والنازعات والمرسلات والمعارج وسواها قد استعمل مرة مفتاحين ومرات عدة مفاتيح، وهذا التنوع في استعمال مفاتيح اللحن أو الفواصل لا يرتبط بالموضوع وتعدده، فقد يسوق القرآن عدة موضوعات بمفتاح واحد (النجم ما عدا النهاية) ، أو موضوعًا واحدًا بعدة مفاتيح (الضحى، الشرح) ، ولو التزم بشيء من ذلك لأصبح أقرب إلى التخطيط الهندسي والصنعة والتكلف منه إلى الإبداع العظيم، فالقرآن وقد أعفى أسلوبه في الآيات المكية طويلة وقصيرة من التقيد بهذا القيد أو ذاك، ولجأ إلى التنوع وكسرَ حدةَ الرتابة تمكن أن يكون أفضل أداء، وأروع تعبيرًا، وأكبر تأثيرًا في النفس البشرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت