فهرس الكتاب
قال (55) ابن جابر: وانصرف إلى معسكره وبات. وأمر البطال مناديًا، فنادى: أيها الناس، عليكم بسنادة (56) فادخلوها، وتحصنوا فيها، وأمَّر البطال رجلًا على مقدّمتهم، وآخر على ساقتهم، لا يخلِّف جريحًا، ولا ضعيفًا في ما قدر عليه وثبت في مكانه، وثبت (57) معه قريب له في ناس من مواليه، وأمر من يسير في أوائلهم، من يقول (58) : أيها الناس الحقوا، فإن البطال يسير بأخراكم، وأمر من يقول في أخراهم: أيها الناس، الحقوا، فإن البطال يسير في أولاكم، يهديكم الطريق، ويهيِّئ منزلكم بسنادة. فمضى الناس، فلم يصبحوا إلا وقد دخلوا سنادة، وافتقدوا البطال. فأجمع رأيهم على تحصينها، والقتال عليها.
قال (59) : وأصبح البطال في مكانه في المعركة به رمق، فلما كان من الغد ركب"ليون"بجيشه حتى أتى المعركة فوجدهم قد لحقوا بسنادة إلا البطال ومن ثبت معه، فأخبر به، فأتاه حتى وقف عليه، فقال: أبا يحيى، كيف رأيت؟ قال: وما رأيت؟ كذلك الأبطال تقتل، وتقتل. قال"ليون": علي بالأطباء، فأتي بهم، فأمرهم بالنظر في جراحه، فأخبروه أنها قد أنفذت مقاتله (60) ، فقال: هل من حاجة؟ قال: نعم، تأمر من ثبت معي، ومن في أيديكم من أسارى المسلمين بولايتي وكفني، والصلاة علي، ودفني، وتخلي سبيل من ثبت عندي. ففعل ذلك. وقصد إلى الناس بسنادة فحاصرهم، فبينا هم على ذلك إذ أشرف من سند أو شيء على قومه في رجال خيول الطلائع، وهو يقول: أيها الناس، أنا ثابت البهراني، إني رسول الأمير سليمان بن هشام يخبركم بسرعة سيره إليكم، وهو آتيكم أحد اليومين. فسر ذلك المسلمين. وأصبح"ليون"سائرًا بعسكره، قافلًا إلى القسطنطينية حتى دخلها. وأقبل سليمان بمن معه حتى نزل بسنادة، وأصلح إلى من كان بها حتى رحل عنها. وقال الشاعر:
ألم يبلغك من أبناء جيش
غدوا من عندنا بصريم أمر (62) ... يجوبون المهاوي والظلاما
تقودهم حتوف لم يطيقوا ... لها دفعًا هناك ولا خصاما