فهرس الكتاب

الصفحة 4142 من 23694

وكان لحلمائهم وعقلائهم عظة وعبرة من تفاني القبائل في أيامها العظام، حيث استمر القتل وكثرت الدماء، فذكَّروا في سفاراتهم بما كان من أمر تلك القبائل لمَّا تسافهت أحلامها ودعوا إلى التعقل والحلم، وقد دعا دريد ابن الصمة في سفارته بين حيَّين من سُليم أن يتعظا بحروب ربيعة وغطفان، واليحابر: ... بما كان من حربي كليب وداحس

سليم بن منصور ألما تخبروا

وما كان من حرب اليحابر من دم ... مباح وجدع مؤلم للمعاطس

تسافهت الأحلام فيها جهالة ... وأضرم فيها كل رطب ويابس

فكفوا خفافًا عن سفاهة رأيه ... وصاحبه العباس قبل الدهارس (17)

وكان للعرب سفارات على الفرس والروم والأحباش لا تتسع مقالتنا هذه للحديث عنها.

خصائص السفارة:

حوت السفارة الجاهلية مادة طريفة، ضمت باقة من عيون أشعار العرب، وجيد كلامها، فادخرت سحر بيانها، وغرائب فطنتها، وخلاصة حكمتها، وأبرزت دهاءها، وكياستها وحسن تخلصها، ولطف اعتذارها. ومن جيد كلامهم وسحر بيانهم خطبة قبيصة بن نعيم، وكان سفير بني أسد في وفد كبير إلى امرئ القيس الكندي الشاعر، بعد أن قتلت بنو أسد ملكها حجرًا الكندي، وقد قال فيها لامرئ القيس:"إنك في المحل والقدر والمعرفة بتصرف الدهر وما تحدثه أيامه، وتنتقل به أحواله، بحيث لا تحتاج إلى تبصير واعظ ولا تذكرة مجرب.. كان لحجر التاج والعمة فوق الجبين الكريم، وإخاء الحمد، وطيب الشيم. لو كان يفدى هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا على مثله ببذل ذلك، ولفديناه منه، ولكن مضى به سبيل، لا يرجع أولاه على أخراه، ولا يلحق أقصاه أدناه.." (18) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت