فهرس الكتاب

الصفحة 4143 من 23694

ومن ذلك الحديث مرثد الخير بن ينكف في سعيه في الصلح بين سبيع وميثم حين تنازعا الشرف، وخيف أن يقع بين حييهما الشر، فقد قال:"إن التخبط وامتطاء الهجاج واستحقاب اللجاج، سيقفكما على شفا هوة في توردها بوار الأصيلة، وانقطاع الوسيلة فتلافيا أمر كما قبل انتكاث العهد، وانحلال العقد، وتشتت الألفة، وتباين السهمة.. فإنه إذا سفكت الدماء استحكمت الشحناء، وإذا استحكمت الشحناء تقضبت عرى الإبقاء وشمل البلاء.. ولا تؤرثوا نيران الأحقاد ففيهًا المتلفة المستأصلة، وعفوا بالحلم أبلاد الكلم.." (19) .

ولم يكن للعرب نصيب من الفلسفة، غير أن رجاحة عقولهم، وصحة منطقهم وتجربتهم الغنية في الحياة، جعلتهم ينطقون بالحكمة العملية. ونجد بعضًا من هذه الحكمة في سفارة قس بن ساعدة على قيصر الروم، فقد سأله القيصر: ما أفضل العقل؟ قال: معرفة المرء بنفسه. قال: فما أفضل العلم؟ قال: وقوف المرء عند علمه. قال: فما أفضل المروءة؟ قال: استبقاء الرجل ماء وجهه، قال: فما أفضل المال؟ قال: ما قضيت به الحقوق" (20) كما نجد شيئًا من الحكمة في سفارة هوذة بن علي الحنفي على كسرى، فقد سأله: كم ولدك؟ قال: عشرة. قال: فأيهم أحب إليك؟ قال: غائبهم حتى يقدم، وصغيرهم حتى يكبر، ومريضهم حتى يبرأ (21) ."

ونجد في تلك السفارات مواقف ذكية ولفتات بارعة كيسة، وقد وفد حاجب بن زرارة التميمي على كسرى، ليأذن لهم بدخول العراق، فاستأذن عليه، فأوصل إليه كسرى أسيد العرب أنت؟ قال: لا. قال: فسيد مضر، قال: لا. قال: فسيد بني أبيك أنت؟ قال: لا. فلما أذن له، ودخل عليه، قال له: من أنت؟ قال سيد العرب. قال كسرى: أليس قد أوصلت إليك، أسيد العرب أنت؟ فقلت لا، حتى اقتصرت بك على بني أبيك، فقلت لا؟ قال حاجب: أيها الملك، لم أكن كذلك حتى دخلت عليك، فلما دخلت عليك صرت سيد العرب قال كسرى: آه، املؤوا فاه درًا (22) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت