فهرس الكتاب

الصفحة 4144 من 23694

وقد أحسنوا التخلص في المواقف العسيرة وقد تخلص ثابت أبو حسان الشاعر من قيد الأسر بعد أن عزّ الفداء بفطنته وذكائه في تفسير الفداء الذي طلب منه، بطريقة تنجيه من العار وتلحقه بأعدائه. فقد أسرت مزينة ثابتًا، فعرض عليهم الفداء، فقالوا: لا نفاديك إلا بتيس - وكانت مزينة تسب بالتيوس - فأبى، وأبوا. وطال مكثه في الأسر، ثم أرسل إلى قومه: أن أعطوهم أخاهم، وخذوا أخاكم (23) .

ولم يغب عن بال الجاهليين ما في السياسة من أحابيل وأخاديع، فقد فقهوا معظم أبوابها وبرعوا براعة فائقة في الخديعة والمكيدة، فالسفير الجاهلي شديد الدهاء واسع الحيلة، لا يدع سبيلًا من سبل السياسة يؤدي إلى غايته إلا سلكه، وقد عرف أبو جهل كيف يحل قريشًا من حلف عقدوه، وندموا عليه، حين استفاد من غيرة الأنصار الشديدة على نسائها.

وكانت الأوس قد سارت إلى مكة، وحالفت قريشًا على الخزرج، وأبو جهل غائب. فلما قدم أنكر ذلك، وقال لقريش: ويل للأهل من النازل، إنهم لأهل عدد وجلد، ولقلما نزل قوم على قوم إلا أخرجوهم من بلادهم، وغلبوهم عليها، قالوا: فما المخرج من حلفهم؟ قال: أنا أكفيكموهم. فقدم على الأوس، وقال: إنكم حالفتم قومي، وأنا غائب، فجئت لأحالفكم، وأذكر لكم من أمرنا ما تكونون بعده على رأس أمركم. أنا قوم تخرج إماؤنا إلى أسواقنا، ولا يزال الرجل منا يدرك الأمة فيضربها على عجيزتها، فإن طابت أنفسكم أن تفعل نساؤكم مثل ما تفعل نساؤنا حالفناكم، وإن كرهتم ذلك فردوا إلينا حلفنا. وكان في سائر الأنصار غيرة شديدة، فقالوا: لا تقر بهذا، وردوا إلى قريش حلفها وساروا إلى بلادهم (24) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت